www.nahost-journal.de

 

المحتوى:

نص انصيص

الشاطر محمد

الشاطر حسن

أسطورة العجوزين

أقريعون

الأسد والثيران الثلاثة

الأعرابيّ الفقير

الأصدقاء الثلاثة

الأمير الجبان

لأمير بهلول

السّندباد والأميرة والفهد

الأنف العجيب

الثوب المغامر

الحمامة والنملة

الشاب المقطوع اليد

الغولة والشقيقان

الفتيات الثلاث

القاضي الصغير

القصر المسحور

البطلان: قنفـذ وخلـد

البئر العجيبة

*** نص انصيص

في هالثلاث سلفات كل واحدة لها ولد والثالثة محبلتش(1)، مرة مرق بياع يبيع تفاع للحبل اشترت اللي بتحبلش حبة تفاح وحطتها على الشباك! أجا جوزها أكل نصها ودشر نصها أجت المرة أكلت نصها وقامت حبلت وجابت نص ولد إله عين وايد واجر (يعني نص) سموه (نص انصيص) لما كبر صار هو وأولادة عمه يروحوا على الصيد، أولاد عمه أبوتهم أغنياء وكل واحد كان يروح على فرس وهو عشان أبوه فقير كان يروح على غنمه، وبعدين هم يصيدوا بالبارود وميعرفوش يصيدوا أما هو في المقليعة(2) ويصيد اي شيء بده اياه.. غزال بقره.. الي هو. بعد ما يصيد كانوا يجوا أولاد عمه يقتلوه ويوخذوا الصيد منه ويعطوه لامهم (لأمهاتهم) فهذول يطبخوا الصيد ويوكلوه ويكبوا العظام باب دار نص انصيص: نص انصيص يقول لأهله أن أولاد عمه بقتلوه وبوخذوا الصيد ولكن محدش يصدقه.

يوم من الأيام أبوه قال بدي أسرح وأربط ورا زيتونه وأشوف مين اللي بصيد ومين اللي بوخذ الصيد. لما أبوه راح ربط لهم لقي نص انصيص بصيد وأولاد عمه بقتلوه، لما هاظوا عليه وأخذ أبوه الصيد وقتلهم (ضربهم) وبعدين هو وأبوه أخذوا الصيد وطبخوه وكبوا العظام باب دار اعمامه. ثاني يوم أولاد عمه قالوا لبعظ بدنا نروح على بلاد بعيده نصيد ونوخذ نص انصيص معنا لأنه أهله هين صاروا يعرفوا مين بصيد ومين بوخذ. راحوا على بلد بعيده لقيتهم واحده غوليه بتحاوي(3) في هالديك.

وقالت أهلا وسهلا انتوا أولاد أخوي وبدي أعمل لكم مفتول(4) على هذا الديك.

ذبحته وطبخته على مفتول وتعشوا الثلاثة، وبعدين فرشت لهم يناموا. قال نص انصيص أنا بنمش على فرشه أنا بنام على قرطل(5) ومعاي عرام فول. عملت له هيك. صحيت الغوليه نص الليل وقالت (امظين يا اسناناتي امظين تني أوكل نص انصيص وأولاد عمه الاثنين) ساعتها نص انصيص قرط حبة فول قالت له الغوليه (مالك؟) قال (جعان وقلبي خالي من الطعام) راحت جابت له جوز زغاليل وطبخت له اياهن، ساعتها صارت الدنيا الصبح. ثاني ليله أجت ذبحت لهم خروف وطبخت لهم اياه واطعمتهم وقالت لنص انصيص وين بدك تنام قال في القرطل ومعاي عرام فول. ونام في القرطل نص الليل صحيت الغولية وقالت (امظين يا اسناناتي...) نص انصيص قرط حبة فول. قالت له مالك قال (كيف أنام وقلبي خالي من الطعام؟) راحت جابت له جاجة وذبحتها وطبختها، ما خلصت إلا الشمس طالعة الصبح راحت الغوليه تسرح، قام نص انصيص قال لأولاد عمه، يا خريبين البيت هذي غوليه. يلا نشرد

قالوا هذي عمتنا والله لما تيجي لنقول لها.

إجا نص انصيص ركب على الغنمة وهرب وهم بعدين غاروا منه وهربوا على خيلهم. لما رجعت لقيتهم طالعين، عظت إيدها من الندم وقالت اخ هم اللي يفلتوا مني من غير ما أوكلهم؟

طلعت على ظهر المغارة وقالت (ريت يا نص انصيص النخاله اللي أكلتها غنمتك تقعد في اجريها والحقك وأوكلك. وريت يا حسن وحسين الشعير اللي أكلنه الخيل بعقل في اجريهن والحقكم وأوكلكم) عقل الشعير في أجريهن وبطلن يمشين صار يقول نص انصيص اركبوا يا أولاد عمي وراي وطيري يا نخاله وصلوا الدار. بعدين نص انصيص قال لهم شو رأيكم أروح أجيب فراش الغوليه؟ قالوا له: بتقدرش، بتوكلك الغوليه.

مردش(6). راح اتنسنس(7) على بلدها ولقي فراشها منشور في الشمس إجا غزغز الفراش إبر وهي كانت سارحه تصيد في الليل لما نامت صارت تقول يما البراغيث ورمت الفراش في الواد. راح جابهن وأعطاهن لأهله. بعدين قال لهم شو رأيكم أروح أجيب جاجاتها. قالوا له: مش معقول. راح نص الليل على خم الغوليه، صار الديك يقول: (كوكو كوكو نص انصيص في الخم) فقالت الغوليه (انخم، نص انصيص في بلاده) إجا نص انصيص خنق الديك ورما لها اياه وأخذ الجاجات وعباهن في كيس (وهي كانت في مغارتها(8)) وبعدين روح.

ثالث يوم قال بدي أروح أجيب الغوليه بحالها. قالوا له المر بتوكلك.

راح عمل حاله بياع حلاوة وجاب سحارة حلاوة وحطها على حماره وراح يبيع في اذيال بلدها طلعت الغوليه تشتري بذهبه(9) قال لها (يا خالتي كيف بدي أبيعك بذهبه هذي كثيره، اطلعي كلي تتشبعي) عبرت في السحارة وقالت: بخاف، عينك عين نص انصيص قال لها: (نص انصيص في بلاده وأنا عمري ما سمعت فيه) عبرت ظلت توكل وطبق عليها الصندوق (السحاره) وقال لها: طقي موتي أنا نص انصيص. قالت: افتح لي وبعطيك اللي تحت إجر الخابيه. بتعني الذهب. قال لها: طقي والكل الي(10) قالت: بعطيك الذهب اللي في الأرض الفلانية.. قال لها: طقي والكل الي.

بعدين أخذها على أعمامه وأهله وقال لهم اغلوا ميه ودار عليها وماتت. وبعدين أخذ أهل بلده على بلد الغوليه وأخذوا الخرفان والدور وكل إشي في قرية الغوليه بعد ما كان محدا(11) بقدر يخشها(12).

هوامش الحكاية :

1- لم تحمل

2- أداة لقذف الحجارة

3- تطارد

4- أكلة شعبية تتألف من البرغل الممزوج بالطحين والمطبوخ عادة مع مرق لحم الطيور.

5- سل من أغصان الزيتون الدقيقة

6- لم يصغ لقولهم

7- سل نفسه

8- قن الدجاج

9- بليرة من الذهب

10- موتي وكل شيء لي

11- لا أحد

12- يدخل

 

 

*** الشاطر محمد

هذا يا أولاد في هالشيخ.. اختيار هرمان صار عمره في السبعين وما جاهوش أولاد.. عجز الطب والدوا. ما خلى حكيم إلا راح له. بدون فايدة. ومرته زغيره. ما كان يجيه ولد. يوم والله هو قاعد وإلا هلي(1) ينادي: «اللي بدها دوا للحبل.. اللي بدها دوا للحبل».. سمع وسمعت مرته.. نادوه. إجا. قاله: «اسمع.. احنا عجزنا الطب والدوا ومر عنا ناس كثير مثلك.. كيف بطلع بيدك تداوي هالمرة». قاله: «عندي ولازم ذمتي».. قاله: «إذا داويت هالمره وجابت إلك اللي تطلبه مكافأة تملي جرابك(2)». قاله: «أنا مصاري ما بوخذ.. بس أول ولد بيجيك بتعطيني إياه يوم ما بولد وبرجع لك بعد خمستا عشر سنة.. أو بتعطيني اياه على طول بعد الخمستاش».

فكر هالختيار.. فكر.. قال بعد خمستا عشر سنة يخلق ما لا تعلمون.. يا سرج بميل يا عنان بنقطع(3).. يا أنا برحل.. يا هو بموت..

قاله: «أنا موافق.. بعد خمستاشر سنة أن إجانا ولد والله أحيانا خذه».

وافق الحكيم. داوي المرة. والله أعطاها. جابت هالولد اللي ما شاء الله عنه. شو وجهه زي البدر. هالعنين اوساع وهالنصاحة وهالحلاة اللي تعالي وتفرجي.

كبر الولد وابن الخرافيه بساع بكبر.. وعلمه أبوه.. قراه(4).. وتعلم ركوب الخيل وصار هالشاب اللي ما شاء الله عنه.. يوم ما كمل الخمستاشر سنة ما استفاقوا إلا الحكيم جاي.. قال لأبوه: «بدي الولد.. بدي الشاطر محمد».. قاله «كيف بدي أعطيك إياه.. بعد ما ربيت ولبيت هس أعطيك إياه». قاله: «اللي أوله شرط آخره رضا». منه منه نتش الولد.. وفقدوهم ما لقيوهم.. الحكيم يمشي والولد لاحقه كأنك طارده بمطراك.. سحره.

ظلوا يمشوا تاوصلوا هالبلد. الحكيم يقول للشاطر محمد بابا وهذاك يقول له بابا.. الحكيم يطش يشتغل يداوي.. الله أعلم بيه الشاطر محمد يقعد في الدار.. يطلع ع البلد.. يتفرج.. يتعرف على الناس..

يوم والله هو ماشي وإلا هالزلمه اختيار قاعد ع باب هالدار.. حاطط هالكرسي الزغيره وقاعد بنش ع هالغليون(5)... اطلع في الشاطر محمد وهو يصرخ: «يابا يا حبيبي»... وصار يبوس في هالولد.. ويعيط في هالولد.. والشاطر محمد مش داري اشو يقول.. الختيار.. يقول له: «يابا يا حبيبي يا محمد...» بعد ما هدي الزلمه قاله: «يا عمي.. صحيح أنا اسمي محمد.. بس أنا مش ابنك» قاله الختيار: «أنا عارف بس أنت مثل ابني مخلق منطق.. وهذا الله بعثك إلي مشان أبل شوقي من ابني اللي مات في زهرة شبابه...». وقعد الختيار ينهق(6)... هذا الولد صار يعيط.. ويحاول يهدي بالختيار.. فاتوا مع بعظ ع الدار... وقعدوا.. كل واحد منهم قص قصته للثاني.. الختيار قص قصة ابنه.. والولد قص قصته مع الحكيم الساحر.. قال الولد: «والراي بها الحكيم.. إن شافني بالبلد برد يسحرني ويستعبدني وأنا مش حابب أظل معاه. قاله: بس هذه هي» قاله: «وهذه بسيطة؟». قاله.. «استني علي».. قام الختيار جاب هالطاقية مطرزة ومدندشة(7) وحطها ع رأس الشاطر محمد.. قاله الشاطر محمد «شو هذه»؟ قاله «استنى تاقول لك» نادى الختيار ع الخدام.. قاله «صب قهوة».

صب الخدام قهوة لسيده.. قاله: «صب للشاطر محمد».. صار الخدام يتلفت حواليه.. قاله «طيب روح»... راح الخدام.. قال الشاطر محمد: «مال خدامك كنه ما بشوف الظيوف؟» قاله: «بشوفش اللي ع راسه طاقية اخفا.. انت ع راسك طاقية لا بتخلي حدا يشوفك ولا يسمع صوتك».. قاله: «يعني أفلتت من الحكيم الساحر». قاله: «بعون الله».

قعد الشاطر محمد عند هالختيار.. في النهار يطلع.. يلبس طاقية الاخفا ويدور في هالبلد... يوم ماشي من تحت هالقصر شاف هالبنت بتطل على هالقصر عند هالبنت عاد هو ما حدش بشوفه ما دام لابس طاقية الاخفاء..

طلع.. مرق من بين هالحراس وهالخدم.. وطلع على هالدرج.. شو قصر ملوك. مرق من عند هالطباخ بصفط في هالجاج(8) على هالرز.. حط الطباخ جاجه.. فسخ فسخة منها وأكلها.. صار الطباخ يتلفح(9) حواليه ويقول: اسم الله... رد تناول الجاجة وعاود حطها.. ظل الطباخ يتلفح. دشر الطباخ وطلع عند البنت. لاقاها لابسه ثوب هالحرير وممددة على هالسرير بتقرأ بهالكتاب.. من ساعة ما فات شافها قعدت تتظبظب(10) قامت طالت تخت الرمل وقعدت تحسب. قالت له «قيم الطاقية عن راسك يا شاطر محمد.. أنت نصيبي من هالدنيا وجابك الله وجيت.. إنت جوزي اللي الكتب حكت لي عنك.. اظهر وبان وعليك الأمان..». الشاطر محمد قالك اظهر ما اظهر.. بعدين ما قدرش يطلع ويتركها وراه.. قام هالطقية.. وقرب سلم عليها.. قعدته بجنبها.. إجا تامنه يحكي لها قصته قالت له: «لا تتعب حالك.. أنا بدرج(11) فيك من يوم ما ولدت تاجيت على هالبلد. وأنا عارفة إنك لا بد وتيجي».

قامت سفقت(12) بايديها.. اجو هالخدم.. فرشوا هالسفرة وقامت هي والشاطر أكلوا وشربوا واستحمدوا الله.. وقعدوا يحكوا ولعبوا.

فات ابوها.. قالها: (مين هذا يا بنت؟» قالت له: «هذا اللي طول عمري بستناه.. هذا الشاطر محمد». قاله: «يا ميت أهلاً وسهلاً.. أنت الشاطر محمد اللي ع شانك رفظت أولاد الملوك».. قاله «أنا الشاطر محمد».

قام عقد لهم ع بعظ وجوزهم وعملهم هالعرس وهالعرنسة وقعد عندهم الشاطر محمد كم يوم.. وقال لعمه: «يا عمي البلاد طلبت أهلها». قاله: «آ.. يا عمي.. شو عليه». سوي لهم هالزادة وهالزوادة وقالهم الله ييسر أمركم..

مشوا.. مشوا.. تقول من هول لحيفا... قعدوا يتريحوا. والله ما لحقوا يقعدوا وإلا هي بتقوله: «آخ.. آخ.. البس الطاقية يا شاطر محمد..» قالت له: «هذا ابن عمي طلبني وأنا رفظته مشانك وهاي أنا وقعت تحت إيده..» سحب سيفه وقالها: «هس بخلصلك عليه» قالت له: «سيفك ما بفيدك.. هذا ابن عمي وأنا بعرفه.. ساحر ما فيه حدا أقدر منه.. وروحه مش معه.. البس طاقيتك وخلينا نشوف كيف بدنا نساوي فيه».

لما وصل قالها: «جابك الله والنصيب.. طول عمرك ما بدك اياني وهاي الله حطك تحت ايدي..» قالت لحالها: «يا بنت سايريه(13)، قال اللي قبلنا بوس الكلب من ثمة تاتوخذ حاجتك منه» قالت له: «ولو يا ابن عمي.. هو أنا بدي ألاقي أحسن منك».. قالها: «ومين اللي بقى معك؟» قالت له: «الشاطر محمد..» قالها: «ومين الشاطر محمد» قالت له: «هذا ساحر معاه طاقية اخفا.. وطلبني من أبوي وأبوي جوزني غصبن عني». قالها: «وإذا قتلته؟» قالت له: «ريحني منه وأنا بتجوزك.» قالها: «امليح امليح امليح». قعد هناك يظرب بتخت الرمل.. يظرب.. ويحسب.. فش فايده.. قام قالها فوتي معاي على قصري وأنا بدبره.. فاتوا هالمغارة فات الشاطر محمد معاهم بين باب هالقصر قرأ عليه كلمتين فتح.. الشاطر محمد حفظ الكلمتين وفات معهم.. شو هالقصر.. تقول عنه قصر ملك.. هالخدم وهالحشم.. وهالمال اللي ما بتوكله نيران. فاتت هي على هالغرفة.. قالت له: «بدي اغير أواعي». وهو راح يدور ع كتب السحر. الشاطر محمد فات مع مرته. سد الباب وشلح الطاقية.. قالت له «اسمع خليك معانا الليلة... ظلك معانا أجرك واجرنا.. بعد العشا.. بنتعشى.. وبنسهر على كتب السحر بتاعيته وأنا بخليه ينطق ويقول وين روحه.. بتروح بتجيبها» قالها: «طيب». قالت له «فتح عينيك وذنيك».

والله.. غيرت أواعيها.. ومشطت وتهندزت. طلعت قعدت عند ابن عمها. أجو الخدم. حطوا هالسفره، وقعدوا يتعشوا. صف الشاطر محمد معهم.. بس عاد ما حدا شايفه الطاقية ع راسه. أكلوا وشربوا وظحكوا ولعبوا قاموا.. قعد ابن عمها يقرأ بالكتب وقعدت هي توخذ وتعطي معاه عن السحر والأرواح والجن. منه كلمه.. منها كلمه.. قالت له: «إلا قل لي.. روحك وين». قالها: «يا مرحومة البي روحي في علبه في بطن ذيب في وادي الوحوش.. ذيب اسود وع صباحه (جبينه) نقطة بيظه».

الشاطر محمد سامع.. سحب حاله وراح.. يدورع الذيب.. نزل ع واد الوحوش.. دور دور.. فش فايده.

قال بدي أدور لي ع غنمات أرعاهن.. الغنم بتجلب الذياب. مرق على هالعجوز بتحوحي على هالغنمات.. قالها: «ياخالتي ما بترعيني هالغنمات؟» قالت له: «برعيك». رعي عندها.. صار يسوق هالغنم في واد الوحوش وهو لابس طاقية الإخفاء تبين هالغنم كأنها دايرة ع رأسها. والله يوم وإلا هالذيب الأسود جاي من بعيد يركظ ع ريحة الغنم. اطلع ع صباحه وإلا هالنقطة البيظة. قاله الله جابك.. سحب سيفه وتاوصل الذيب وقط راسه إلا هو مبلطح هاظ عليه. فجره. وفتح بطنه وطال هالعلبه.. ووينك يا القصر. بطريقة رد الغنمات للعجوز وراح.

بالتصادف لقي الأمير ناصب لمرته عرس. إلا بدك تجوزي.. هي تقول له بصيرش أجوز اثنين.. اقتل الشاطر محمد وأنا بجوزك.. رفع الشاطر محمد الطاقية عن راسه وقال: هذا الشاطر محمد إجا لحدك تعال اقتله.. مرت الشاطر محمد فنت الزغروت(14) سحب الأمير سيفه وهجم على الشاطر محمد. رفع الشاطر محمد العلبه بيده وقاله «اللي بحمل لهم السيف الرجال مش السحرة الملاعين». الأمير وقف وسقط السيف من ايده. فرك هالعلبه. وقع الأمير ما بعنيه بله. نادى الشاطر محمد ع الخدم. جروا الملعون وكبوه.

قام الشاطر محمد.. لم الذهب والمال وكل شيء خفيف الحمل غالي الثمن.. وأخذ مرته.. وروح على أمه وأبوه.

والتم شمل العيلة وانبسطوا.

ودشرتهم(15) مبسوطين وجيت.

هوامش الحكاية :

1- هذا الذي

2- تملأ كيسك بالنقود

3- لا بد وأن يحصل شيء ما

4- علمه القراءة

5- يدخن على الغليون

6- يجهش بالبكاء

7- مزخرفة

8- الدجاج

9- ينظر هنا وهناك مشدوها

10- تلم حاجاتها

11- أراقب خطواتك

12- صفقت

13- اتبعي طريق المدارة

14- زغردت

15- تركتهم

 

 

 

 

*** الشاطر حسن

كان لتاجر غني ولد اسمه حسن، تبدو على وجهه أمارات الذكاء. وكان هذا الرجل أرمل، فلما أحسّ بقرب موته دعا ابنه وقال له: " يا بنيّ ‍ إني مائت، وأنا أورثك كل مالي، ومن جملته قصري هذا الجميل، وإليك هذه الأربعين مفتاحا للغرف الأربعين التي فيه. ويمكنك أن تفتح تسعا وثلاثين منها، أما الغرفة الأربعون فلا تفتحها، لأن فتحها يجر عليك متاعب وويلات .

مات الرجل، فحزن عليه ابنه حسن حزناً شديداً، وبعد أن واراه الثرى، عاد إلى القصر ومكث فيه وحيدا، لا أنيس له فيه ولا جليس.

وذات يوم، خطر بباله أن يفتح غرف القصر ويرى ما فيها، فأخذ يفتح الغرف واحدة بعد الأخرى، فرأى فيها من الرياش والذهب والفضة ما لا يقدّر بثمن. ولما وصل إلى الغرفة الأربعين، وقف أمام بابها مترددا، وأخيرا قال في نفسه: سأفتحها مهما كان من أمرها.

فتح حسن باب الغرفة ودخل، فلم يجد فيها إلا طاولة صغيرة عليها كأس من زجاج فيها شعرة امرأة تضيء كالشمعة المضاءة، فتأملها متعجبا، وقال في نفسه: ترى من رأس أية امرأة هي؟

كانت هذه الغرفة تطل على قصر ملك المدينة، وصادف أن الملك كان يتمشى مع وزيره في القصر، فوقعت عينه على حسن والكأس في يده وشيء يضيء فيها، فانشغل باله، وأمر وزيره أن يأتيه بها. فذهب الوزير إلى حسن وطلب منه الكأس، وما فيها.

رفض حسن أن يعطيه إياها، فهدّده الوزير بالقتل، فاستمهله حسن ليفكر في الأمر، فأمهله.
وتذكر حسن أن والده ترك له مهرا جميلا، فأسرجه وركبه وفرّ حاملا معه الكأس والشعرة .

كان هذا المهر ملكا من ملوك الجان، استاء منه سليمان الحكيم لأمر أتاه، فغيّره إلى شكل مهر، ولم يكن حسن يعرف شيئا من هذا، فحمل الكأس، ونزل إلى مربط المهر حزينا مهموما، وإذا بالمهر ينطق ويسأله عمّا به. دهش حسن، فأطلعه المهر على حاله، وأخبره حسن بأمره.

قال له المهر: أعطه الكأس ولا تخف! فذهب حسن إلى الوزير وأعطاه الكأس، فحملها هذا إلى الملك. ولما رأى الملك الشعرة المضيئة بهت، وقال: إذا كانت هذه الشعرة تضيء هذا الضياء. فكيف تكون صاحبتها ؟ إني أريدها.

فأجابه الوزير: لا بد أن يكون حسن يعرفها، فعلينا أن نطلب إليه أن يأتينا بها وإلاّ قتلناه، فوافق الملك على رأيه.

ذهب الوزير إلى حسن وقال له: إن الملك يريد صاحبة الشعرة، فإن لم تأته بها فإنك مقتول. وعبثاً حاول حسن إفهام الوزير أنه لا يعرفها، ولا يعرف أين هي. ثم ذهب حسن مذعورا إلى المهر وأطلعه على طلب الملك منه، وعلى عناد الوزير وتهديده، فقال له المهر: لا تخف، سأعلمك كيف تنتقم من الوزير، وتأتي بصاحبة الشعرة. اذهب الآن واطلب إلى الملك أن يجهز لك سفينة مشحونة ذهباً وفضة وتحفاً نادرة من صندوق الوزير، وإلاّ فالذي طلبه الملك لا يصير، ومتى جهّزت لك هذه السفينة سر بها إلى أول شاطئ يطل عليك، فترسو هناك، وتعرض ما فيها على الناس، فيأتيك عبد أسود شفتاه غليظتان، ومعه صبيه كالقمر في الليلة الرابعة عشرة، فإذا أرادت النزول إلى السفينة، فأنزلها وحدها، وادفع السفينة بها إلى البحر، واخطفها وآت بها إلى الملك

فعل حسن ما أشار به المهر. ولما رأت الصبية السفينة سائرة بها غضبت ونزعت خاتمها من إصبعها، وألقت به في البحر.

حمل حسن الصبية إلى منزله، وأعلم الملك بوصولها، فطلب الملك أن يراها، فأبت أن تراه إلا إذا أمر حسنا بأن يأتيها بالخاتم الذي سقط من إصبعها في البحر. فأرسل الملك الوزير إلى حسن، فطلب ذلك منه، وهدّده بالموت إن لم يفعل.

ذهب حسن إلى المهر حزيناً مهموماً، فقال له المهر: لماذا لا تأتيني إلا حزينا مهموما؟ وقد أهملتني ولا تطعمني كعادتك." فأخبره حسن بما طلب الملك منه، فقال له المهر: لا تخف! أطلب من الملك أن يجهز لك قاربا مملوءا بالثمار والأطعمة الفاخرة " من كيس الوزير، وإلاّ فالذي طلبه الملك لا يصير"، ثم خذه واذهب به إلى عرض البحر، وانتظر ما يكون .

فعل حسن ما أشار به المهر عليه. ولما وقف القارب في عرض البحر، سقطت عليه الطيور فأكلت، وصعدت الأسماك فأكلت، ثم صعدت سمكة كبيرة زرقاء اللون ونطقت قائلة: من صنع معنا هذا المعروف فأطعمنا من هذه الأطعمة الطيبة؟ فأجابها حسن: أنا. فقالت له السمكة: ما المكافأة التي تطلبها بعملك هذا؟ فأخبرها حسن بأمر الخاتم. فقالت له: إني ذاهبة الآن، انتظر عودتي! ثم غطست في البحر، ومضت تبحث عن الخاتم، فعثرت على سمكة صغيرة قد تناولته بفمها تريد ابتلاعه ولا تستطيع، فانتزعته منها، وصعدت إلى حسن فأعطته إياه. فشكر لها حسن معروفها ورجع إلى الصبية الحسناء، وأعطاها إياه، فوضعته في إصبعها.

ومع ذلك رفضت أن تواجه الملك قبل أن تؤتى بغرفتها من قصر أبيها. فأمر الملك الوزير بأن يأمر حسنا أن يأتيه بها، وإلاّ فإنه يموت.

لطم حسن وجهه وذهب إلى المهر، وهو يرى الموت ماثلا أمام عينيه فطيّب المهرمن خاطره، وسكّن ما به وقال له: لا تخف.! أطلب إلى الملك أن يجهز لك قاربا مملوءا بالتحف " من كيس الوزير " وإلا فالذي طلبه الملك لا يصير، وحينما تعطى القارب، اذهب به إلى الشاطئ الذي خطفت منه الصبية، وأعرضه على الناس، فيأتيك العبد ويسألك: أين ذهبت بسيدته. فاقطع رأسه، واحمله على رأسك فتنقطع الغرفة عن القصر وتأتيك، فتسير فوق رأس العبد."

فعل حسن ما أشار به عليه المهر، فأتته الغرفة بما فيها، فأوصلها إلى بستان الملك ووضعها فيه. إلا أن الصبية رفضت أن ترى الغرفة أو ترى الملك قبل أن يحرق حسن بالنار. فقال الملك لحسن: لا بد من حرقك تلبية لطلب الصبية. فسرّ الوزير بذلك، لأن قلبه امتلأ حقدا على حسن. وقد ذعر حسن جدا حينما سمع ما قاله الملك، فأخذ يندب نفسه ويقول: دنت منيّتك يا حسن! وندم على مخالفته نصيحة أبيه، وقال: " ليتني أطعتك يا أبي، إذا لكنت نجوت من كل هذه المتاعب والمهالك، ثم طلب إلى الملك أن يمهله أربعا وعشرين ساعة ليودّع أهله وأصدقاءه، ويوصي بماله. فأجابه الملك إلى طلبه.

ولم يجد حسنا ملجأ له إلا المهر, فانطلق إليه شاكياً باكياً وأخبره، فضحك المهر وقال له: لا تخف، اركب علي غدا، وأركضني إلى أن أتعب وأعرق، فاجمع عرقي وضعه في ماء ساخن، وأغتسل به، ثم اذهب وسلم نفسك للحرق. ففعل حسن ما قاله المهر

جمع الملك أهل المدينة، وأمر بإشعال نار عظيمة، ولما اشتعلت النار دخل حسن إلى لهبها، ولبث قائما فيها حتى صار الحطب رماداً، ولم يحترق. فدهش الملك وأهل المدينة، واستدعى إليه حسناً وسأله أن يخبره بأي شيء توقى الحرق. وكان حسن ذكيا، وقد تضايق من الملك ووزيره، وأراد أن يتخلص منهما، فأجاب الملك قائلا:

لست أنا وقيت نفسي، وإنما هم أسلافك وأسلاف الوزير أتوا إلي وأنا في النار وحموني، وهم غاضبون عليكما، ولن يرضوا عنكما حتى توقدوا نارا بأربعين حملا من الحطب، وتدخلا إليها، فيأتوا إليكما ويصفحوا عنكما، وإلاّ توقعا شرا!

خاف الملك وأمر بإحضار أربعين حمل حطب، فأحضرت. ثم أمر بإشعالها فاشتعلت. ودخل هو والوزير الى نارها، فأحسا بلذعها وشاءا الخروج منها، فلم يستطيعا، فاستنجدا بأهل المدينة، فلم يتمكن أحد من تخليصهما، ولم يستطع أحد إطفاء النار، فاحترقا وماتا.

رأى الناس نجاة حسن من النار واحتراق الملك والوزير بها، فاعتقدوا أن حسنا صدّيق يحبه الله، ولولا ذلك ما نجا، فملّكوه عليهم.

دعا حسن الصبية وخيّرها بين أن تعود الى بلادها أو أن تملك معه، فأجابته أنها لا تريد سواه.

ثم ذهب الى المهر وسأله ماذا يريد أن يصنع له ليكافئه على إحسانه إليه، فأجابه المهر: أن تطلقني من قيدي هذا لأعود ملكا من ملوك الجن كما كنت، وأخلص من غضب سليمان الحكيم.

فسأله حسن: وكيف أفعل ذلك؟ فأجابه المهر: إن الحوادث التي حصلت لك كانت تقيدني، وقد انتصرت عليها، فانفكّ عني أثر القيد، ولم يبق إلا أن تخلع رسني من عنقي وتحرقه، فأعود كما كنت.

فعل حسن ذلك، وإذا بالمهر يختفي ويقف مكانه شاب جميل يشكره ويقول له: كلما احتجت إلي ادع باسم رب الأرباب الخالق الناس من تراب، والمعيدهم الى تراب، والباعثهم يوم الحساب، فآتيك على جناح السرعة. ثم ودّعه، وضرب قدميه في الأرض، وطار الى مملكته في وادي الجن.
 

 

 

 

 

 

*** أسطورة العجوزين

كان – يا ما كان – في ماضي الزمان ، أو في زمان لا تعيه الذاكرة ، عجوزان يعيشان في هذه القرية . الأول يدعى صفر باسم الشهر الذي يلي محرم ويسبق الربيع ، والثاني يدعى مدحت . الأول يعرف باسمه ولقبه : صفر السفرجلي ، والثاني باسمه وكنيته مدحت أبو مديح . وكان الأول هو الذي يقوم بالعمل كله ، فيزرع الفول والقرع والباذنجان والبصل والطماطم في القيراط الذي يملكانه.

وصفر هو الذي يجمع الحطب ليشع الدفء في أرجاء المنزل ، عندما تقسو على المسنين ليالي الشتاء . وهو الذي يذهب إلى السوق ليبيع هذا الحطب أو يبيع أحسنه ، ويحمله – عندئذ – على ظهر حماريهما العجوز نعل الريش ، ويصطحب كلبهما الوفي المدعوّ خمس خمسات ، لأنه يلبس في عنقه عقداً يضم خمس خرزات زرق .


أما العجوز الآخر مدحت مديح، فكانت طباعه وأخلاقه عجبا من العجب . كثير الغمغمة والتأوه والشكوى من الزمن ، يستلقي على الفراش تارة وعلى الحصير تارات أخرى . ويجلس على المصطبة ، ويتركها إلى الأريكة ، يتربع فوق هذه وتلك . لا يبرح البيت طوال النهار ، وكأنه هو الفصيح الذي صاغ للناس في قديم الزمان مثلهم العجيب القائل بهزء وبتبجح وسخرية: الكسل عسل.

كان يحلو للناس أن يتهكموا على العجوز مدحت من وراء ظهره، ليأمنوا شر غضبه وتهوره ، فقد كان لا يطيق سماع كلمة لا توافق هواه . وعلى العكس تماما ، كان الناس يثنون على صفر وعلى خصاله الكريمة وشمائله الحلوة ، ويشيدون بطيبة قلبه ومثابرته على العمل .

كان السفرجلي يحب مدحت ويوليه الرعاية، ويهتم بشؤونه، فيطبخ له الطعام، ويوقد له الفرن لينعم بالدفء ويأتيه بأحسن الفاكهة وبواكير المواسم من القثاء أو البلح أو قطوف العنب والتين، كلما أمكن .

وكبر الكل : صفر ومدحت، ونعل الريش وخمس خمسات . وأعوزهم الكفاف من الطعام والدفء في بعض الأيام . ونظر صفر إلى أخيه مدحت فوجده يرتعش من البرد وتصطك أسنانه . قال : " سأخرج وأجمع له الحطب من الغابة القريبة".

سار في غبش السحر قبل الفجر ، وقد أخذ معه نعل الريش وخمس خمسات ، وأنهكهم السير جميعا. ودمعت عينا العجوز، وهو يتأمل السماء ذات النجوم ، وكأنها تتساقط أنداء فوق الزرع والشجر. وفجأة، لمح على مسافة منه – لا يدري هل هي قريبة أم بعيدة – صفحة ماء رقراق ، وحملق فيها وهو مشدود إليها . قال : " هذه لا يمكن أن تكون سرابا، ولكنها لم تكن بالأمس موجودة ، ولم أرها في حياتي من قبل ، على كثرة ما جئت هذه الغابة ودخلتها وخرجت منها في كل اتجاه، وذرعتها محتطباً وقناصاً، وقد جمعت بعض فراشاتها وأزهارها" .

فيما هو يحدث نفسه، كانت قدماه أوصلتاه إلى الماء يتبعه صديقاه الوفيان. فإذا بالعين – حقيقة – خيط من الماء ، بالقرب من بعض عيدان الزهور المتفتحة الزاهية كالجدول أو الغدير السلسال. ومال الثلاثة يشربون، والفجر يطلع هادئا ، يشدو بأصوات العصافير .

رفع صفر السفرجلي قامته ووجهه من صفحة الماء فرأى عجباً، رأى نعل الريش بضرب الأرض بحافره الناعم فينطلق منها مثل الشرار ، وهو ينهق نهيقا لا نشاز فيه ولا تنافر. ثم يدور حول نفسه وكأنه يعلو ويطير ، وحوله – أيضا- يدور عاليا وطائرا ، بخطى أوقع من النغم الشجي ، كلب كأنه في عمر الجراء الصغيرة، كان يعرفه منذ هنيهة باسم خمس خمسات. ولا بد أن يكون بالفعل هو خمس خمسات ولكن شدّ ما تغير نعل الريش كذلك ، هما الآن شابان أو طفلان . بل أنا أيضا صفر السفرجلي العجوز الهرم شاب ، فهذه يدي لم تعد عروقها خضراء بارزة ، وهذا شعري أتحسسه فوق رأسي، فأجده كثيفاً غزيراً ملبّدا مثل صوف الغنم ، وهاتان عيناي تريان الأشياء رؤية صحيحة ثابتة، وها هما قدماي تطيران وتعلوان مثل أقدام هذا الحمار الذي أصبح جحشاً، وهذا الكلب الذي عاد جرواً غريراً .

ركب صفر السفرجلي ظهر نعل الريش، فهو أسرع منه قطعاً ليصل إلى المنزل مبكراً ، ويخبر مدحت بالخبر .

قال مدحت: "لا أريد أن يأتي أحد منكم معي، لشرب نصيبي من العين، فيزداد هو شباباً، ويحرمني العودة إلى الشباب، أتركوني أذهب وحيدا".

وتركوه ...

.. مرت ساعة ومرت ساعتان ، ومدحت مديح لم يعد . وساور القلق أصحابنا، فنهضوا جميعا إلى الغابة، ونظروا يمينا وشمالا، فلم يجدوا عين الماء في مكانها، ولم يجدوا ماء بتاتا. ولكن ها هي زهور الأقاحي والسوسن والياسمين والنرجس الغض البهي، وها هو أمام أعينهم طفل ، ولا كل الأطفال، متورد الخدود، ممتلئ الوجه مثل القمر. أيجوز أن يكون هذا مدحت أبو المديح العجوز الساخط المكتئب. أجل أجل، إنه هو! لقد شرب مدفوعا بنهمه ولهفته كل ماء العين، ولم يترك منه قطرة واحدة !" .

قال سعد الغريب: "ولهذا السبب ، فإن أهل العجوزين ما زالوا حتى اليوم يقولون كلما رأوا شابا يتدفق بالنشاط والفتوة: صفر السفرجلي الشاب المنجلي.

ويقولون كلما رأوا طفلا في المهد حلواً وسيماً! مدحت مديح – طفل مليح".

قلت : " يا دليلنا في هذه الرحلة العجيبة ، هل تسمح لي أن أضيف إلى هذين المثلين على الوزن والقافية:

سعد الغريب– طفل أريب".

قال: "يا عمي، تسمح لي إذن أن أقول لك إن فؤاد الحداد طفل الفؤاد، شاب الفؤاد، إلى الأبد!".
 

*** أقريعون

كان لأحد البلدان سلطان، رزقه الله ولدا يحاكي البدر جمالا، يتمتع بقوة جسدية بارزة، وبذكاء فطري حاد ما ألفت إليه الأنظار. منذ نعومة أظفار، تعهده أبوه بعناية فائقة واختار له أمهر الأساتذة لتعليمه، وعين له أسرع فرسانه لتعليمه الفروسية، فأصبح في سن مبكرة أمير السيف والقلم، فأطلق عليه اسم ماهر.

خرج ماهر مع أصحابه يوماً للصيد، وأخذوا يطاردون الغزلان، فابتعد ماهر عن أصحابه وطال غيابه، بحثوا عنه لم يجدوا له أثرا، فعادوا إلى ديارهم خائبين، وأخبروا السلطان بأمر فقدان وحيده، فاستناط غضبا وأمر جنوده بأن يزرعوا الأرض طولا وعرضا حتى العثور على ماهر.

أما ماهر، فقد ترجل من جواده بجوار مغارة يتدفق منها ماء نبع عذب، وأشعل نارا وراح يشوي صيده ويأكل بأمان.. سمع صوتا منبعثا من أعماق المغارة. دخل فوجد فرسا تلد، فأخذ يساعدها حتى ولدت مهرا جميلا أسودا، وكان يزور المغارة يوميا ويعتني بالفرس والمهر. وظل على عنايته بالمهر بشكل خاص حتى كبر وأصبح جوادا مميزا يسابق الريح في جريه.

في يوم ربيعي جميل، امتطى ماهر صهوة الجواد الأسود وانطلق به نحو قصره، فلما رآه الحراس أقبلوا يقبلون يديه، وأسرعوا يخبرون السلطان بعودة ابنه المفقود، فكان اللقاء بين السلطان وابنه لقاء حارا، وسط الزغاريد وصيحات الرجال المرحبة، وأمر السلطان بإعلان يوم العودة هذا عيدا تقام فيه الاحتفالات وتعقد حلقات الرقص والغناء في كل أنحاء البلاد..

ولكن الفرح لم يدم طويلا، إذ ماتت والدة ماهر، وتزوج السلطان من امرأة حسناء صغيرة السن، ولكنها ماكرة حاسدة تكره الأمير ماهرا وتنوي له الشر، وهو بدوره كان يبادلها شعور الحقد.

وذات يوم، مرضت زوجة السلطان الماكرة، واستعصى شفاؤها على الأطباء. وبناء على إشارة منها، قال رئيس الطباخين: "لن يشفيها إلا قلب الجواد الأسود". انطلت الحيلة على السلطان، فأمر وحيده بذبح الحصان، فقال ماهر: أمرك يا أبي مطاع، ولكن أرجو أن تسمح لي بركوب الجواد للمرة الأخيرة، فأجابه والده السلطان إلى ما يريد.

امتطى ماهر صهوة جواده وأطلق له العنان، فانطلق به سريعاً حتى وصل إلى أرض قعر لا ماء فيها ولا عشب. توقف الحصان وقال والدمع يترقرق في عينيه: يا صديقي الأمير، إن أباك يطلب قلبي شفاء لامرأته المخادعة، فما أنت فاعل؟ قال ماهر: أنت تعلم مكانتك عندي، وأنا لن أسلمك للذبح ولو فقدت حياتي، ومن أجلك هجرت أهلي، وسأضرب في بلاد الله الواسعة.. هنا صهل الحصان صهيلا مؤثرا، وأعطى صديقه ثلاث شعرات قائلا: إذا احتجت إلي فافرك هذه الشعرات، فتراني أمامك بسرعة البرق.. قال ذلك وتوارى عن الأنظار.

أمام هذا المشهد المثير للدهشة، وقف ماهر سابحاً في بحر من التفكير لا يستطيع تفسير ما جرى، إلا بعامل السحر.. بعد هنيهة، سار إلى حيث تقوده قدماه، فوجد رجلا فقيرا يرتدي ثيابا رثة بالية، فقال له: هل تستبدل ثيابي بيثابك ولك معها ليرة ذهبية؟ لم يصدق الفقير ما سمعت أذناه، فقبل على الفور. مر ماهر على دكان لحام، فاشترى منه كرش عجل، نظفه وجعل منه طاقية غطت رأسه، وبدا معها كالأقرع. وكان كلما مر بجماعة تطلق عليه اسم الأقرع ويناديه الناس: يا "أقريعون" حتى صار اسما له..

انتهى به الأمر إلى أن يعمل مزارعا في بستان لأحد سلاطين البلاد.. وفي كل مرة كان ينهي عمله اليومي في البستان، كان يخلع ثيابه ويستحم في ماء النبع الذي كان يخترق البستان.. رأته مرة ابنة السلطان من شرفة القصر يستحم، فأعجبت به وبخاصة شعره الناعم، فصارت ترسل له مع خادماتها كل يوم طعاما شهيا لم يذق مثله إلا في قصر والده، وعلم من الخادمة أن ابنة السلطان هي التي كانت ترسل له هذا الطعام.

مع الأيام، راح أقريعون يراها في زاوية شرفة القصر وهي تنظر إليه بحذر، فرآها آية من آيات الجمال، فتعلق قلبه بها.

وفي يوم من الايام، نادى المنادي في المدينة: على كل الشبان العازبين أن يمروا في باحة القصر، لأن بنات السلطان يرغبن في اختيار أزواجا لهن.. واختارت كل بنت شاب ألقت عليه منديلها، وعندما مر أقريعون ألقت بنت السلطان الصغرى منديلها عليه.

وافق السلطان على من اختارته بناته من أزواج، باستثناء من وقع اختيار ابنته الصغرى، وحاول إقناعها باختيار شاب آخر غير أقريعون، ولكنها رفضت بإصرار.. عندها أمر السلطان بطرد أقريعون من كل أراضي سلطنيته وهدده بقطع رأسه إن عاد إليها. رضخ أقريعون لأوامر السلطان، ولكنه التمس منه أن يمهله ثلاثة أيام يغادر بعدها كل أراضي السلطان.. في هذه الأثناء، أرسلت ابنة السلطان ليلا خادمتها إلى البستان ومعها ثياب نسائية، لبسها أقريعون وجاءت به إلى القصر، حيث أقام في إحدى غرفه بعيدا عن الأنظار.. وكانت ابنة السلطان تزوره في مخبإه الأمين كلما سنحت لها الفرص بذلك..

بعد أن أمضى أقريعون شهراً واحداً متخفياً، وبينما كان قابعا في غرفته السرية، جاءته محبوبته منتحبة شاحبة الوجه، خائرة القوى، فارتمت في أحضانه مجهشة بالبكاء. ذعر لما رآه وسألها عن أسباب هلعها، فقالت: لقد غزا الأعداء بيتنا وهزموا جيشنا، وأصبحت طلائعهم على مقربة من القصر، فأمسك يديها وصاح والسرور يتطاير من عينيه: لبيك يا محبوبتي، ساعة واحدة وسترين أعداءنا منهزمين.. نزل معها إلى باحة القصر وفرك الشعرات الثلاث، وإذا بجواده الأسود أمامه. يا حصاني أسعفني لرد الغزاة. فقال له الحصان: "لا عليك، أمسك سيفك وستحصدهم على الجانبين"، لما رآه الغزاة هرب من أمكنه الهرب منهم.

خرج الملك والعساكر ليروا الفارس الذي هزم الغزاة، وكان أقريعون قد أصابه سهم في يده، سأله الملك: "من أنت أيها الفارس؟ رد أقريعون: "يدي مجروحة يا سلطان الزمان، أعطني منديلك، فلف السطان يده بمنديله واستأذن أقريعون بحجة أنه سيداوي يده وتهرب من الإجابة.

صار الفارس حديث الناس وتساءلت بنات السلطان عنه، فردت الصغرى: "أنا أدلكم عليه"، أخذت أباها السلطان وأخواتها إلى دارها، فرأوا شابا بهي الطلعة ناعم الشعر نائما، ويده ملفوفة بمنديل السلطان فسألوها: "من هذا؟ قالت: "هذا أقريعون."

أفاق الشاب من النوم وعرفهم بما حدث له، ورضي عنه السلطان.

كشف أقريعون عن هويته، فعانقه السطان وزوجه ابنته وأقام لهما حفلة عرس لم يشهد لها ذلك الزمان مثيلا.

أما زوج أبيه الماكرة فلم تطق أن ترى ماهرا سلطانا فشربت السم وماتت جزاء حقدها وأنانيتها.

 

*** الأسد والثيران الثلاثة

 

كان في أجمة ثلاثة ثيران: أبيض وأسود وأحمر، ومعهم فيها أسد، فكان لا يقدر منها على شيء لاجتماعها عليه.

قال الأسد للثور الأسود والثور الأحمر: لا يدل علينا في أجمتنا إلا الثور الأبيض، فإن لونه مشهور، ولوني على لونكما، فلو تركتماني آكله صفت لنا الأجمة.

فقالا: دونك فكله.

فلما مضت أيام، قال للأحمر: لوني من لونك، فدعني آكل الأسود لتصفو لنا الأجمة.
فقال: دونك فكله.

ثم قال للأحمر: إني آكلك لا محالة.

فقال: دعني أنادي ثلاثا.

فقال: افعل.

فنادى: ألا إني أكلت يوم أكل الثور الأبيض

 

*** الأعرابيّ الفقير

يُحكى أنّ أعرابياً فقيراً كان يعيشُ في خيمةٍ من الخيام في الصّحراء، ويقتاتُ من الكفاف الذّي تُقدّمه له الأيّام الجافّة في عالمٍ من الحرّ والعطش والبرد. ورغم ذلك، فقد كان ذلك الأعرابي سعيدًا بحياته مع زوجته التّي تعيش بقربه، وفيّةً له ومهتمّةً به.

وفي يومٍ من الأيّام، وبينما كان الأعرابي جالساً أمام خيمته يتأمّل هذه السّهول الرّحبة ويسامر زوجته في هذا اللّيل الصّافي، مرّ به رجلان على ظهر حصانين، يُسمَعُ لِهَمْهَمَتِهِمَا صدًى في أرجاء الصّحراء؛ وقد تلمّس هذان الرجلان الطريق إلى خيمة الأعرابي بواسطة تلك النار التي يشعلها العرب عادةً في اللّيل ليهتدي بها الضال والجائع.

رحّب الأعرابي، هو وزوجته، بالرّجلين، وفكّر في أن يقدّم لهما طعامًا. إلاّ أنه لا يملك إلاّ شاةً يتغذّى بلبنها. حدّثته زوجته بالأمر، فطلب إليها أن تهيّئ نارًا لإعداد الطّعام، فسيذبح الشاة للضّيفين اللّذين حلاّ هذه الليلة عليه. وعرف الرجلان أنه ليس لهذا ألأعرابي غير هذه الشاة. حاولا أن يقنعاهُ بعدم ذبحها، إلاّ أنه رفض طلبهما. وكان بعد ذلك أن هيّأت امرأته الطعام للضيفين، فأكلا ما لذ ّ لهما، ثمّ أمضيا عنده الليل. وفي الصّباح الباكر، ودّعاه بعد أن طلبا إليه أن يقصدهما في المدينة حيث يلتقي بهما في المسجد الجامع.

ولم يعرف الأعرابي أن هذين الرجلين هما والي المدينة وقاضيها. وبعد أيّام قصد الأعرابي المدينة، وذهب إلى المسجد الجامع فوجدهما بين المُصلين يرفعان أيديهما ويصلّيان. فقال في نفسه: "أنا ألتجئ إلى إثنين يلتجئان بدورهما إلى الله، فلألتجئ إليه فهو وحده الكريم القدير".
وكان أن قفل عائدًا إلى خيمته، وأخبر امرأته بما حدث معه، فسُرّت امرأته بإيمانه وفضّلت أن يعانيا ما هما عليه من فقرٍ من أن يستعينا بأحدٍ.
غير أنّ ريحا هوجاء هبّت في تلك الليلة وذهبت بالخيمة المضروبة في عمق تلك الصحراء، فقام الأعرابي وامرأته وباتا ينتظران شروق الشمس وهما يتّقيان رشاش الرمل بثيابهما. وعند الفجر حمل الأعرابي خيمته وسارت امرأته وراءه، ورحلا حتى وصلا إلى مكانٍ وجد فيه الأعرابي أمانًا له ولإمرأته.

وبينما كان الأعرابي يضرب في الرّمل، إذ وجد حلْقةً أمام عينيه فأخذها بجماع يديه وراح يشدّ ويشدّ حتى خرجت من الرّمل جرّةٌ حمراء، ساعدته امرأته في إخراجها. وما إن فتحاها حتّى وجدا فيها كنزًا ثمينًا. فسُرّ الأعرابي وامرأته بذلك، وقرّرا أن يبنيا قصرًا جميلاً في ظاهر المدينة. وهكذا كان.
وبين ليلةٍ وضحاها، راح يرى أهل المدينة قصراً جميلاً يرتفع في ظاهر المدينة. وكان الأعرابي قد أنفق على بناء القصر مالاً كثيرًا، فجاء آيةً من آيات فنّ البناء. وبات حديث الغادي والرائح.

عَلِم الوالي أنّ قصرًا يُبنى في ظاهر المدينة، فطلب إلى الحرّاس أن يتبيّنوا له أمر باني هذا القصر. فأخبروه إن أعرابيًا جاء من الصّحراء وبنى هذا القصر، ذلك بعد أن وجد كنزًا في مكانٍ ما من الصّحراء بدّل مرارة أيامه حلاوةً وفقره غنًى.

شاء والي المدينة أن يرى ذلك القصر، فجاء إليه هو والقاضي. وما إن وصلا إليه والتقيا بصاحبه حتّى عرفا فيه ذلك الأعرابي الفقير الذي أكرمهما تلك الليلة التي أمضياها في كوخه. غير أن القاضي دبّ فيه الحسد، فقال للوالي: "سأطلب إليك أن تفعل شيئًا تتبيّن فيه حسن أخلاق هذا الأعرابي من جديدٍ، إذ إنّ الغنى بعد الفقر يبدّل غالبًا من أخلاق صاحبه". وتابَع: "ما رأيك يا سيدي الوالي أن تذهب إلى قصر الأعرابي وتلتقي به هناك، وأن تخبره أنك رأيت في ما يرى النّائم أنك وجدت نفسك تصرخ: عو عو عو. فإذا قال لك إن هذا الذي رأيت في حلمك كلب، اقتصصت منه".

رضي الوالي بما عرضه القاضي عليه، ثم ذهب إلى القصر والتقى الأعرابي. فاستقبله استقبال الكريم، ودعاه إلى تناول الطعام، فأجابه الوالي إلى ذلك.

وبينما هما يتناولان الطّعام، قال الوالي للأعرابي: "لقد رأيت في ما يرى النّائم رجلاً يصرخُ: عو عو عو. وأحبّ أن تفسّر لي ذلك".

فقال الأعرابي: "أمّا "عوّ" الأولى، فمعناها أنه سبحان من رَزَق الطّير في الجوّ. وأمّا "عوّ" الثانية، فمعناها أنه سبحان من أنار الطريق أمام التّجارة في النور. وأمّا "عوّ" الثالثة فمعناها لعن الله جار السّوء".

سُرّ الوالي بتفسير الأعرابي وعرف ما كان القاضي يرمي إليه، وكان أن قرّب الوالي الأعرابي إليه وأقصى القاضي عن القضاء بين النا

 

*** لأصدقاء الثلاثة

كان في مدينتنا قديما ثلاثة أصدقاء، طبعوا على الوفاء والتسامح والإخلاص. وكان كل واحد منهم يمدّ يد المعونة في حال عوزه أو فقره. كما كانوا لا يفارق الواحد منهم الآخر. فمجالسهم واحدة، وسهراتهم واحدة، وأكثر أوقات فراغهم يقضونها معا.

وكان واحد من الثلاثة ميسور الحال، أقبلت عليه الدنيا، رغيد العيش، إلا أنه كان لا يحب أن يعيش هكذا وحده دون صديقيه. فغالباً ما كان يمدّ لهما يد المساعدة من غير منّة أو كدر. وكان الصديقان لا ينسيان معروف صديقهما. فما إن يتوفر لدى أحد منهما المال حتى يعيده إلى ذلك الصديق الغني الميسور.

غير أن هذه الأمور غير ذات قيمة أمام العاطفة التي كان يظهرها كل منهم للآخر إذا ما أصيب بمرض أو مرّت عليه فترات حزن أو مصاعب. وهنا تعرف الصداقة عندما يبتعد الصديق عن أنانيته وحبه لذاته ويكون وفيّا ودودا لصديقه. وبما أن الصديق الميسور لم يكن بحاجة إلى البحث عن عمل ليحصل رزقه، فقد بقي في هذه المدينة. أمّا صديقاه فودّعاه في يوم، وسافر كل منهما إلى مكان يسعى فيه وراء الرزق الحلال الشريف.

كان الوداع مؤثّرا. ثلاثة أصدقاء يودع الواحد منهم الآخر بعد أن عاشوا معا فترة طويلة، وكل منهم يشعر أنه جزء من الآخر.

بقي الصديق الميسور في المدينة، وكان على غناه مبذراً، فظل ينفق دون أن يقيم وزنا لما لديه من مال، حتى رقّت حاشية ماله، وتبدّل الزمان معه، فانتقل من غنى إلى فقر، وباتت عائلته بحاجة إلى المال لتسدّ حاجة طعامها وكسائها. ولكن من أين يأتي الصديق بالمال؟ فصديقاه الآخران قد رحلا، وليس له غيرهما في المدينة. فأمضى أكثر أوقاته حزينا يعاني ألم البعد وحسرة الفقر والحرمان.

وفي يوم قالت له زوجته: لماذا لا ترسل يا حامد رسالة إلى أحد صديقيك تخبره فيها مدى حاجتك إلى المال؟
فقال حامد: إني أشعر بالخجل كلما فكرت في أمر كهذا.

فقالت الزوجة: غير أنك كنت تساعد كلا منهما في حالة ضيقه، ومن غير أن تشعره أن لك عليه منّة، والصديق عند الضيق.

وراحت زوجته تلحّ عليه حتى أقنعته، فبعث برسالة إلى أحد صديقيه يطلب فيها بعض المال.

وصلت الرسالة إلى الصديق وحزن حزنا شديدا لحالة صديقه حامد، فأرسل إليه فوراً مبلغاً كبيراً من المال. ومرّت الأيام وإذا بالمال يصل إلى حامد، فيتسلمه مسرورا مقدّرا صنيع صديقه معه مؤكدا لزوجته أن صديقه وكما قالت له ، وفيّ له كل الوفاء.

غير أن المال الذي وصل إلى حامد لم يبق طويلا لديه، إذ وصلته رسالة من صديقه الثاني يشكو له فيها قلة عمله، وحالة فقره وعوزه، ويطلب إليه فيها أن يمده بشيء من المال لأنه في غربة لا يعرف الناس فيها بعضهم بعضا.

رقّ قلب حامد على حال صديقه وأرسل إليه كل المال الذي كان قد تسلمه من صديقه. وعاد حامد إلى ما كان عليه من حاجة، وعادت عائلته تعاني ما تعاني من الجوع والفقر.

في هذه الأثناء، تقلبت الحال مع صديق حامد الذي طلبت زوجته أن يرسل إليه رسالة يطلب فيها مساعدته. فكتب إلى الصديق الثاني الذي لم يجد عملا في غربته يطلب إليه فيها أن يمده بشيء من المال.

وكان الصديق الذي لم يجد عملا بعد قد تسلّم المال من حامد. وما إن وصلت إليه رسالة صديقه حتى أرسل إليه كل المال الذي تسلمه من حامد. وعندما وصل المال إليه وجد أنه المال الذي سبق له أن أرسله إلى صديقه حامد.

وهنا ترك المكان الذي يعمل فيه وعاد إلى المدينة وزار أول من زار حامداً. وفوجئ حامد بعودة صديقه. فكان لقاء من أطيب ما عرفه الصديقان من لقاءات، وقال الصديق لحامد: أتعرف ما وصلنا من صديقنا البعيد؟ وصلني المال الذي أرسلته إليك.

وهنا عرف الصديق ما فعله حامد بالمال، فأكبر فيه صداقته، كما أكبرا معا صداقة صديقهما الغائب.

ومرّت فترة قصيرة، وعاد الصديق الغائب إلى المدينة. وكانت حال كل منهم قد تحسّنت، فعادوا إلى الحياة التي عاشوها من قبل. وهكذا عرفت فيهم هذه الدنيا مثال الصداقة والنبل والوفاء.

 

*** الأمير الجبان

يحكى أن ملكا كان يعيش في أحد البلاد الواقعة على مجاري نهر النيل العظيم، حيث يتدفق النهر خلال الغابة الواسعة. وكان لهذا الملك ابن وحيد، اسمه " سامبا ".

كان الملك في شبابه محاربا شجاعا، لكنه الآن أصبح عجوزا. وحين كبر سامبا وأصبح قوياً وسيماً، صار الملك يفخر بابنه الذي عرفه الناس طيبا لطيفا وأحبوه جميعا.

لكن الملك كان قلقا لأن ابنه يخاف من أشياء كثيرة، وعندما كان سامبا صغيرا، كان يجري مسرعا إذا سمع خطوات فيل، ويصرخ إذا شاهد آثار أقدام أسد. وكان الناس يقولون: " إنه لا يزال طفلا، وعندما يكبر سيصبح شجاعاً ولا يخاف من شيء، وسيأتي يوم يعيّنه والده قائدا لجيشه."

وكم شعروا بالفرح عندما جاء هذا اليوم، وتولى سامبا قيادة الجيش. قال الناس: " سوف نعيش في أمان، فإن سامبا قوي يستطيع أن يحمينا من اللصوص، ويدافع عنا."

وكان الأب يتابع في سعادة قوة أبنه ومهارته في أشياء كثيرة. إلاّ أنه ظل قلقاً. فقد كان يرى ابنه يتجنب الاشتراك في الألعاب التي تعرّضه للخطر، كما تبين له أن سامبا لم يكن من بين الأعضاء البارزين في الفريق الذي يخرج للصيد تحت قيادته.

وذات صباح، استيقظ الناس فوجدوا اللصوص قد سرقوا مواشيهم وأغنامهم وأخذوا بعض الرعاة عبيداً لهم. وبحث الناس عن سامبا ليسترد لهم الرعاة والحيوانات، لكنهم لم يجدوه. لقد اختفى.. وكان على الملك رغم كبر سنه، أن يركب فرسه، وأن يتقدم على رأس المحاربين ليقاتل اللصوص، ويسترد ما سرقوه .

وبعد عدة أيام، ظهر الأمير سامبا، وأخذ يردد قصة يحكي فيها كيف خاطر بحياته وهو يطارد أسداً كبيراً في الغابة. وقال إنه قتل الأسد، لكنه كان أسدا ثقيل الوزن جدا، لذلك لم يستطع حمله وإحضاره معه. لكن الناس لم يصدقوا هذه القصة.

قال أحدهم: " لماذا اختفى سامبا في هذا الوقت بالذات؟ إنه جبان "!. وسرعان ما ترددت هذه الكلمات بين الناس. وكان سامبا يسمعها أينما ذهب، والأطفال يصيحون خلفه في سخرية عندما يشاهدونه في الطريق. حتى أن أباه لم يعد يعطف عليه بسبب جبنه وخوفه ..

لم يستطع سامبا أن يتحمل كل هذا، فاستيقظ في صباح أحد الأيام وركب حصانه الأسود وقد عقد العزم على الذهاب إلى بلد لا يعرف شعبه الحرب ولا العنف.

كانت رحلة شاقة، لازم الفزع فيها سامبا. ففي النهار كان الخوف يقلقه خشية أن يقابل لصوصاً أو أعداء، وفي الليل لا يستطيع النوم خشية أن تهجم عليه الحيوانات المفترسة.

وبعد أن عانى سامبا كثيراً المخاوف الرهيبة، وصل إلى مدينة عظيمة، ترتفع أسوارها إلى جوار النهر.

استعاد سامبا مظاهر النبل والسلطان، ودخل عبر بوابات سور المدينة وهو يركب فرسه في عظمة ومهابة. ومرّ أمام القصر الملكي، وقد رفع رأسه في اعتداد. وبينما كانت بنت الملك تتطلّع من نافذتها، رأت الغريب الوسيم يمر من أمام القصر, فقالت لخدمها: " اذهبوا تعرفوا على هذا الفارس الشجاع، الذي لم يسبق أن رأيت من يماثله في الوسامة والقوة.."

عاد أحد أتباعها بعد قليل, وقال :" أيتها الأميرة العظيمة، إنه الابن الوحيد لملك عظيم." فقالت له : " عد إليه وادعه لمقابلتي."

رأى سامبا الأميرة الجميلة، فأعجب بها كما أعجبت به. وطلبت الأميرة إلى والدها أن تتزوج سامبا رغم أنها رفضت قبله ملوكا وأمراء كثيرين. ونظرا لأن الأميرة كانت الابنة الوحيدة لأبيها، فقد وافق على هذا الزواج.

تزوج سامبا من الأميرة في احتفالات عظيمة، وكان سامبا زوجا محبا ذكيا وعاش مع زوجته في سعادة وهناء.

كانت الأميرة فخورة بزوجها القوي الوسيم، وملأتها الرغبة في أن يكون زوجها محبوبا بين شعبها كما تحبه هي وتقدره. وفي يوم من الأيام قالت لزوجها: " منذ زمن بعيد لم يهاجم الأعداء بلدنا، إذا جاءوا لتهديد أمننا فسأشعر بالفخر الحقيقي حين أراك يا زوجي الحبيب وأنت تقود شعبنا في المعركة، ولتتغنّى المدينة بأعمالك وبطولاتك."

ونظرت الزوجة إلى زوجها وعيناها تلتمعان بالحماس، لكن البريق اختفى من عينيها عندما رأت زوجها يتراجع في فزع إلى الخلف، ويقول لها محذرا: " لا تتكلمي ثانية في هذه ألأمور، لقد تركت بلدي حتى أتجنب وحشية المعارك ورؤية الدماء، وإذا طاردتني الحروب هنا، فسوف أترك هذه المدينة أيضا إلى الأبد."

ظنّت الأميرة أن زوجها يمزح، فقد كان من المستحيل أن يتصور إنسان أن فتى قويا ذكيا مثل سامبا يخاف من المعارك. لكن الأميرة أحست أخيرا من نظرات سامبا، أن زوجها لا يمزح...!!!

لم يمض وقت طويل، حتى أغار لصوص من الأعداء على المدينة خلال الليل، وقتلوا الرعاة، وسلبوا عدداً كبيراً من قطعان الماشية. وعند اكتشاف الخسارة عند الصباح، أمر الملك بقرع طبول الحرب، وبأن يتولى الأمير سامبا زوج ابنته قيادة المعركة، فارتفعت هتافات المقاتلين مرحبة بذلك القرار. لكن سامبا لم يسمع هتافاتهم، فقد اختفى عن الأنظار وبحثت عنه زوجته الأميرة، فوجدته مختبأً في أحد مخازن القصر المظلمة. وحاولت كثيرا أن تجعله يترك مخبأه، ويأخذ مكانه في مقدمة القوات، لكنها فشلت في إثارة خوفه على شرفه، وجعله يشعر بالخجل من نفسه، وحذرته من الخطر الذي سيلحق به إذا علم الشعب بما يملأ نفسه من مخاوف. ومع ذلك لم تستطع أن تجعل سامبا يركب حصانه ليقود المعركة.

أخيرا طلبت سلاحه، فلم يجد مفراً من تنفيذ طلبها، فنزع عن صدره الدرع الذهبية الجميلة المرصعة بالأحجار الكريمة، فثبتتها حول صدرها، ثم ناولها سيفه وقوسه وسهامه. وعندما وضعت الأميرة الخوذة فوق رأسها، وأنزلت مقدمتها على وجهها، أصبح واضحا أن أحدا لن يستطيع اكتشاف حقيقتها، خاصة أثناء انشغال الجميع بالقتال.

خرجت الأميرة تسير بخطى ثابتة إلى فناء القصر، ثم قفزت على ظهر حصان زوجها الأسود وانطلقت كالرعد من بوابات المدينة على رأس المقاتلين. ولم يكن من الصعب هزيمة المعتدين واسترداد كل ما سرقه اللصوص.

عادت الأميرة المنتصرة إلى غرفتها مباشرة حيث كان سامبا ينتظرها في قلق، لكنها لم توجه إليه كلمة لوم أو عتاب، بل قالت له: " ساعدني في نزع هذه الدرع." ثم طلبت إليه أن يرتديها بسرعة وأطاعها سامبا بغير مناقشة، ثم ذهبت معه إلى الشرفة الخارجية، التي تجمّع تحتها الناس.

واستقبلته الهتافات المدوية من أفراد الشعب المتحمسين لبطلهم وقائدهم الجديد. وابتسم لهم سامبا، لوّح لهم بيده، لكنه لم يقل شيئا ولم يعرف أحد أن الأمير سامبا لم يكن هو الذي قادهم إلى النصر.

إلا أن شقيق الأميرة الأصغر كان يشعر أن شقيقته هي التي قادت المعركة. وعندما أخبر أخوته بشكوكه، ضحكوا من تصوراته، لكنه قال: " إذا جاء المعتدون ثانية، سأثبت لكم صحة ظنوني. سوف أحاول أن أترك علامة خاصة على القائد."
غضب المعتدون اللصوص لهزيمتهم، وجمعوا حولهم عدداً أكبر من رجال العصابات، وعادوا للهجوم مرة أخرى على المدينة. ورفض سامبا مرة ثانية أن يقود قواته، وترك زوجته تقود المحاربين إلى المعركة وهي متخفية في درعه.

وعندما خرجت لتركب حصان زوجها، راقب شقيقها الأصغر طريقة مشيها، فبدت شكوكه تتزايد، ولكي يكتشف الحقيقة ويتأكد تماما، اقترب من أخته في أثناء المعركة وأصابها بجرح صغير في ساقها.

كانت المعركة حامية جدا، فلم يكن لدى الأميرة وقت لتفكر في الألم. لكن عندما عادت إلى القصر أحست بالضعف والألم بسبب الدم الذي فقدت، ومع ذلك قالت لسامبا وهو يرتدي الدرع التي كانت ترتديها:" إنه مجرد جرح بسيط في ساقي، والناس ينتظرونك لتحيتك. ولكن قبل أن تخرج إليهم أجرح ساقك في رفق في المكان نفسه، حتى لا يشك أحد في أنك أنت الذي كنت تقود الرجال في المعركة." فانتفض سامبا وقال في فزع: " ماذا؟ أجرح نفسي؟ لا يمكن..لا أستطيع... هذا هو السبب الوحيد الذي يبعدني عن المعركة."

تنهدت الأميرة في أسى ولم تقل شيئا، لكنه في اللحظة التي استدار فيها الأمير ليخرج إلى الشرفة، انحنت بسرعة وجرحته برمحه في ساقه المكشوفة. وبينما كان يصرخ، غطت الأميرة جرحها، وأسرعت تنادي طبيب الملك ليعالج ألأمير الجريح .
وفي الحال، انتشرت بين الناس أخبار إصابة سامبا. وظل الناس يذهبون إلى باب القصر يسألون عن أخبار قائدهم الشجاع.

قال أكبر الأخوة لشقيق الأميرة الأصغر: " لعلك تأكدت الآن أن سامبا هو الذي قاد المعركة فعلا، وحقق لشعبنا النصر، وأنك كنت مخطئا في ظنك."

شعر شقيق الأميرة الأصغر بالحيرة، وعندما دخل الحجرة التي كان يرقد فيها سامبا وهو يئن، وجد أنه لا يستطيع الشك في الدليل الذي يراه أمام عينيه.

وبعد يومين، تجمعت كل عصابات الأعداء مع زعمائها، وعادت إلى مهاجمة المدينة للمرة الثالثة، وكلهم يأملون أن تكون عودتهم السريعة المفاجئة سبباً في إحراز نصر سريع على أهل المدينة غير المستعدين لملاقاتهم.
وعندما دوت طبول الحرب، نهضت الأميرة وذهبت إلى زوجها وقالت: " سامبا... إن جرحي أسوأ مما كنت أظن ولم أعد أقوى على السير، سيكتشف المحاربون مرضي عندما أحاول ركوب الحصان أمامهم فلا أستطيع. لا يمكنني هذه المرة أن أحلّ مكانك. يجب أن تذهب بدلا مني."

تنهد سامبا وقال: " إن الملك له ثلاثة أبناء. ألا يقدر واحد منهم أن يقود المعركة ؟ " فأجابت الأميرة: " إنهم صغار السن، ولن يطيعهم الرجال."

صاح سامبا: " لن أستطيع الذهاب!! "

قالت الأميرة: " إذن ارتد درعك واركب حصانك واخرج مع الرجال وسألحق بك عند حافة الغابة من أقصر طريق، وهناك نستبدل أماكننا."

وافق سامبا على هذه الخطة، فقد كان على استعداد لأن يفعل أي شيء ما دام لا يعرضه للخطر. ولكن ما أن جلس سامبا على سرج حصانه، حتى ضربت الأميرة الجواد بالسوط ضربة قوية، فانطلق كالريح خارجا من أبواب المدينة، وخرج خلفه كالسهم كل المحاربين، وبعد لحظة، كان الأمير وسط المعركة.

ولأول مرة وجد سامبا نفسه محاطا بالخطر. كانت السيوف تلمع عن يمينه ويساره... تضرب وتقاتل، والحراب من أمامه ومن خلفه... تطعن وتدافع. وكان لا بد أن يقاتل من أجل حياته..
وهكذا حدثت المعجزة .... لقد وجد سامبا شجاعته حين أيقن أنه لا مفر من أن يقاتل. واكتشف أن الشيء الذي كان يخشاه هو الخوف نفسه! وعندما وجد نفسه يقاتل من أجل حياته، نسي الخوف، وتغلب على نفسه، وانهال بسلاحه على أفراد عصابات اللصوص من حوله، تساعده قوته البدنية الهائلة، وأخذ أفراد اللصوص يفرون من أمامه.

انتشرت بسرعة أخبار شجاعته وبطولته، فألهمت رجاله الجرأة والتصميم على النصر، بينما نشرت الرعب والفزع في نفوس الأعداء.

انقضت المعركة، وانتهت ليس بهزيمة اللصوص فقط، بل بالقضاء عليهم حتى لا يعودوا مرة أخرى .....

استقبله الملك بنفسه عند بوابة القصر. وبينما كان سامبا يضع غنائم النصر الثمينة عند قدمي الملك، صاح الملك: " يا بني... كم أنا فخور بك. كيف أستطيع أن أعبّر عن شكري لشجاعتك وتضحياتك دفاعا عن شعبي؟ إنني مدين لك بالعرفان لأنك قضيت على أعدائنا قضاء نهائيا."

قال سامبا الذي وجد أخيرا شجاعته: " في الحقيقة أنت لست مدينا لي بشيء، إنما أنا المدين.... مدين بكل شيء لابنتك الأميرة، زوجتي العزيزة لأنها حولت رجلاً جباناً إلى قائد شجاع، وجعلته يحرز انتصارين هذا اليوم.... ألانتصار الأول على نفسه... والانتصار الثاني على أعداء الشعب......
 

 

 

*** لأمير بهلول

في قديم الزمان كان ملك يعيش في قصر فخم مع ابنته الأميرة التي كانت جميلة جداً، شعرها في لون الذهب الصافي وعيناها زمردتان براقتان، وأسنانها لآلئ نفيسة، وقامتها ممشوقة. وكان الناس ينظرون إليها بإعجاب. لكنها كانت تتصف إلى جانب هذه الملاحة بصفة بشعة جدا... كانت معجبة بنفسها، متكبّرة، لا يعجبها شيء، ولا يرضيها إنسان.

أراد عدد من الأمراء أن يتزوجوها، لكنها لم ترض بواحد منهم، ورفضتهم جميعاً. فلهذا الأمير ساقان طويلان، ولذلك النبيل بطن ضخم يمشي أمامه، ولذلك الفارس أنف أفطس، وللرابع عينان صغيرتان كعيني الثعلب، وللخامس صوت يصمّ الآذان... وكان الحاضرون يضحكون عند سماع أقوالها، فيستحي الأمراء والنبلاء وينسحبون من القصر غاضبين.

كان من بين هؤلاء الأمراء أمير واسع الغنى، قوي النفوذ، اسمه بهلول وكان يعتقد أنها ستقبل به زوجاً لأنه كامل الخصال، جميل الصورة، شجاع، كريم. إلا أن الأميرة رفضته.... وأدارت ظهرها وعادت إلى غرفتها وتركت الأمير في حالة من الخجل الشديد أمام الآخرين.

غضب الملك من تصرف ابنته التي حقّرت الأمراء والنبلاء أمام رجال البلاط وجعلتهم أعداء له بعد أن كانوا أصدقاءاوحلفاء.... لذلك قرّر الملك أن يؤدّب الأميرة المتكبرة، بأن يزوجها أول متسول يأتي القصر.

بعد أيام، دخل القصر عازف قيثارة، وعزف أمام الملك والحاشية معزوفات جميلة، وطلب حسنة من الحاضرين، فنادى الملك ابنته وقال للعازف الفقير: أهبك إبنتي زوجة لك، خذها إلى بلادك، وسافر الليلة دون تأخير، واسع في جهدك للتغلب على  كبريائها....

هكذا أرغمت الأميرة على مغادرة قصر أبيها، وعلى إتباع زوجها إلى بلاده البعيدة. سارت طويلا مشيا على الأقدام، لأن العازف المتسوّل لا يملك جوادا ولا بغلا ولا حمارا تركبه... وتعثرت في مشيها، وتمزّق حذاؤها، وسقطت في بعض الحفر، وكان زوجها يطلب إليها أن تسرع في سيرها. ومرت في طريقها بغابات لا يبلغ النظر آخرها . فسألت زوجها: " من صاحب هذه الغابات الواسعة الغنية ؟ "

" كل ما ترين هو ملك الأمير بهلول."

شعرت بغصة في حلقها، وأسفت على رفضها الزواج من الأمير الغني عندما تقدم طالباً يدها من الملك.

سارا ساعات وساعات، وأياما بلياليها، وكلما حاولت أن تتوقف لتستريح كان زوجها يدفعها أمامه ويقول: " إنك زوجة عازف مسكين... عليك أن تتعودي العذاب والشقاء... عجّلي... عجّلي.... لا أحب الكسل."

كانت المسكينة تسير، وقد ضعفت قوتها، وتقرّحت قدماها الناعمتان، وغطّى الغبار وجهها الجميل، وامتلأت عيناها بالدموع.

مرّا بحقول قمح واسعة، فسألت زوجها عن صاحب هذه الحقول، فقال: " كل هذه الحقول هي ملك الأمير بهلول."

تحسّرت الأميرة وندمت على فعلها بالأمير بهلول، وقالت لنفسها: ارتكبت ذنبا لا يغتفر عندما رفضت أن أكون زوجة له ... لو تزوجته لكانت هذه الحقول لي.

سارا في الحقول والغابات، وأقدامها تصطدم بالحجارة وتغوص في الوحول، ووصلا مروجاً خضراء، ترعى فيها قطعان الماشية من ماعز وبقر وغنم، وتسرح فيها الخيول الجميلة. فسألت: ولمن هذه المروج الغنية؟
- كلها بما فيها للأمير بهلول.

تنهدت من أعماق قلبها، وقالت بصوت ظهر فيه التعب: ليتني قبلت به زوجا، لو قبلت لكانت هذه المروج وما فيها من ماشية وخيول ملكي أنا، ولكنت أعيش الآن عيشة هانئة.

تعبت كثيرا، فارتمت على الأرض فوق كومة من التراب، فشدّها زوجها من يدها بقوة وقال لها: " لا أريد أن أسمع اسم هذا الأمير مرة ثانية.. يجب أن تحترميني لأني زوجك."

وبعد مسيرة أيام ثلاثة أخرى، وصلا كوخاً في غابة كثيرة الأشجار, ففتحه وقال لها: " أدخلي هذا بيتنا، وهنا سنعيش..."

تأثرت الأميرة وبكت بمرارة، وطلب زوجها أن تعدّ له طعام العشاء، وكان عليها أن تقطع الحطب وتجمعه من الغابة، وتحمله، وتشعل النار، واحترقت خصلة من شعرها الأشقر.

ولما أعدّت الطعام لم يجده زوجها جيدا لأنه كان محروقا، كثير الملح..

بكت كثيرا.. وأدركها النعاس فنامت وقد أسندت رأسها إلى الحائط.

وفي الصباح أيقظها زوجها، وطلب إليها أن تعتني بشؤون البيت، فأعدّت الطعام، ونظّفت البيت وغسلت ثيابه.

ولما كان العازف فقيراً، أحضر لزوجته خيوطا لتنسجها، ولكن ما عملته كان سيئا فلم يستطع بيعه في السوق. فأنّبها لعدم إتقانها العمل. وأحضر لها في اليوم التالي بعض الأواني الفخارية وطلب إليها أن تذهب بنفسها لتبيعها في السوق. ولم تستطع أن ترفض طلبه. وكانت بعد أن تبيع ما لديها تعود لتقوم بأعمال البيت.

أقبل ذات يوم فارس مسرعاً إلى السوق، فداس فرسه الأواني الفخارية وحطّمها.

فحزنت الأميرة لهذه الخسارة، واضطرت أن تضاعف من عملها. وأرسلها زوجها لتعمل خادمة في مطبخ قصر الأمير. وقضت أياما متعبة في عمل مستمر. وكان الملك يستعد لتزويج ولي عهده، لذلك كان الجميع يعملون في نشاط ...

خرجت من المطبخ لتشاهد ما يعدّ لحفلة الزفاف الكبرى، وتذكرت قصر والدها الكبيروحزنت لشقائها لانها كانت متكبرة سيّئة الخلق .

وفيما هي في أفكارها هذه إذا بولي العهد يقبل إلى الغرفة حيث تقف ... عرفته جيدا إنه الأمير بهلول، فتقدم منها وأمسكها بكتفها، فخافت وحاولت الإفلات منه ...

فقال لها: لا تخافي مني... لقد جرحتني كبرياؤك الجنونية، فقررت أن أعاقبك على سوء تصرفك معي. إن عازف القيثارة الذي تزوج منك هو أنا. وأنا الفارس الذي حطّم الأواني الخزفية في السوق. لقد تنازلت عن كبريائك، ولذلك فأنا أريد أن أحتفل بعرسنا هذا المساء احتفالا كبيرا.."

تعجبت الأميرة والحاضرون مما سمعوا، وأقسمت له الأميرة أنها شفيت تماما من كبريائها.

أدخلها الأمير القصر، وارتدت ثوبا من حرير مطرّزاً بنجوم من ذهب، ووضع الملك على رأسها تاجاً مرصعاً بالجواهر .

دامت حفلات العرس ثلاثة أيام وثلاث ليال، وكانت الأميرة تعامل الجميع بلطف، وصارت جميلة في أخلاقها كما هي جميلة في خلقتها ....
 

 

*** السّندباد والأميرة والفهد

كان والدي من كبار التّجار في بغداد. اشتهر بالصّدق والأمانة في كلّ البلاد. وعندما مات، ترك لي ثروةً وافرةً تضمنُ لي حياةً ميسّرةً.
ولكنّني منذ صغري، كنتُ أحبّ السّفر والتّنقل في بلاد الله الواسعة، لألتقي بالنّاس من مختلف الألوان والأجناس، فأتعلّم وأكتسبُ المعرفة والتّجارب، وأنتصرُ على الأخطار والمتاعب.

لم تمض سنوات على وفاة والدي حتى أكملتُ استعداداتي لأعيش حياةً كلّها رحلات؛ أحمل بضاعتي وأرافق التّجار، وأركب البحار، وأخوض المخاطر والأهوال. وفي كلّ مرةٍ كنت أعود متعبًا، منهوك القوى، ناويًا ترك حياة الأسفار والمغامرات، لأعيش هانئًا، مرتاحًا، قرير العين، بما تَوَفّر لي من الأموال.

لكن لا تمضي بضعة أشهرٍ حتّى يُعاودني الحنين إلى السّفر ومواجهة الأخطار، فأعدّ عدّتي وأهيّئ نفسي إلى سفرةٍ جديدةٍ، أُلاقي فيها من الشّدائد والأهوال أكثر ممّا لاقيتُ في سفراتٍ سابقةٍ.

اتّفقتُ ذات يومٍ وجماعة من التّجار على القيام برحلةٍ نبيع فيها ما حمله إلينا تجّار الهند والصّين من بضائع، فأعددنا عدّتنا، وركبنا مركبًا من ميناء البصرة، فسار بنا في البحر أيامًا وليالي. وكانت الرّيح موافقةً لسير المركب، فلم نشعر بالملل أو التّعب، بل كُنّا نمرّ بجزيرةٍ بعد جزيرةٍ، وننتقل من بحرٍ إلى بحرٍ، ومن برٍّ إلى برّ. وكُنّا في كلّ بلدٍ ننزل فيه، نبيع ونشتري ونلتقي بأهله، ونتعرّف بعاداتهم وأحوال معيشتهم.

وفي يومٍ من الأيّام، وكُنّا سائرين في عرض البحر، وصلنا إلى جزيرةٍ بديعةٍ، حافلةٍ بالمناظر الطّبيعية. فرسا بنا ربّان المركب على شاطئها، ونزلنا كي نستريح من عناء السّفر ونقضي بعض حوائجنا. أشعلنا النّار لغسل الثّياب وطهو الطعام، ثم جلسنا حلقاتٍ نتحادث ونتسامر، ونحن في أنعم بال.. وإذا بصوت الرّبان يرتفع في هلعٍ ويدعونا إلى النّجاة بأنفسنا والإسراع إلى المركب، لأن ما ظننّاه جزيرة ما هو إلا سلحفاة بحرية هائلة تراكمت عليها الرّمال، ونبتت عليها الأشجار، فلمّا أشعلنا فوقها النّار، أحسّت بالحرارة فأخذت تتحرّك، ولا بُدّ أن تغوص في الأعماق بعد قليل.

كان الربّان يقول هذا وهو يجري بأقصى سرعته نحو السّفينة حتّى أدركها مع عددٍ من التُّجار. فسحبوا المرساة، وأقلعوا مُبتعدين عن الجزيرة، غير مُبالين بِمَن لم يستطيعوا اللّحاق بالسّفينة. وكنت لسوء حظّي، في عداد الذّين لم يستطيعوا اللّحاق بها، فبقيتُ مع بعض الرّفاق ننتظر هلاكنا المحتوم..

صادفتني، لحسن حظي، قطعة خشبٍ كبيرةٍ. فتعلّقتُ بها، ورحْتُ أجذّف برجليّ، وأتلفّت حولي عساي أجد أحدًا من رفاقي. ولكني لم أستطع العثور على أحد.

بقيتُ على هذه الحال يومًا وليلةً، والأمواج تتقاذفني، حتى أشرفتُ على الهلاك. ولكنّ ريحًا قويّةً هبّت ودفعتني نحو جزيرةٍ عاليةٍ، فيها أشجار مائلة على البحر. فتعلّقت بأحد الأغصان وتسلّقت الصّخور حتّى وصلتُ آمنًا. ارتميتُ على الأرض منهوك القوى، ورحتُ في نومٍ عميقٍ دام ساعاتٍ وساعات.

عندما استيقظت من نومي، تجوّلت في الجزيرة، فوجدتها طيّبة الهواء، عذبة الماء، فيها فاكهة كثيرة، وطيور متنوّعة الأشكال والألوان. فحمدتُ الله على السّلامة، وتابعتُ سيري. وإذا بي أسمعُ صوت حيوانٍ يُشبه الزّئير. فتقدّمتُ صوب الصّوت بحذرٍ، فوجدتُ فهداً أصفر اللّون قد أصابته سهامٌ والدّماء تنزف من جراحه، والشّرر يتطايرُ من عينيه. فتناولت حجرًا كبيرًا وضربته به، وقضيتُ عليه.

تابعتُ سيري، وإذا بي أرى على بُعدِ قليلٍ فتاةً رائعة الجمال قد سقطت عن حصانها فأُغميَ عليها، وحصانها بجوارها يصهل في اضطراب.

تقدّمت منها ورحتُ أحاول إسعافها. فإذا بِعَدَدٍ من الفرسان يحيطون بنا ويحملون الفتاة ويأخذوني معهم شاكرين لي ما قمتُ به نحو أميرتهم، حتّى وصلنا إلى مخيمٍ كبيرٍ مجهّزٍ بوسائل الرّاحة. فأنزلوني في خيمةٍ خاصّةٍ وقدّموا لي ما أحتاجه من طعامٍ وشراب.

أخبرني رجال الحرس أنّ هذه الجزيرة تابعة للملك "مهرجان"، وهذه الفتاةُ هي ابنته "جُمان"، وقد جاءت مع زوجها الأمير "بسطام" في رحلةٍ للصّيد في هذا العام. فرأت هذا الفهد وأُعجِبَت بجمال جلده فحاولت اصطياده ورمته بالسّهام، فارتدّ إليها محاولاً افتراسها، ولكن عناية الله أحاطت بها في اللّحظة الأخيرة ونجّتها من الهلاك.

تماثلت الأميرة للشّفاء، فاستقبلتني هي وزوجها بالتّكريم والتّرحاب وسألاني عن إسمي وبلدي، وسبب مجيئي إلى هذه الجزيرة المهجورة. فرويْتُ لهم قصّتي، وما قاسيتُ من متاعب وأهوالٍ، فتعجّبا غاية العَجب، وطلبا إليّ أن أرافقهما في عودتهما إلى بلدهما ليتعرّف إليّ الملك "مهرجان".

مَثَلتُ بين يديّ الملك، وقبّلت يديه احترامًا، ورويتُ له قصّتي، وقدّمت له جلد الفهد الذي حاول افتراس ابنته. فكان ما ذكرته مُفاجأةً لطيفةً سُرّ لها الملك وأمر بتعييني أمينًا لشؤون البحر، وتحصيل الضّرائب عن بضائع كل سفينةٍ تصل إلى ميناء المملكة. سررتُ بهذه الوظيفة جدًا لأنّها تُتيح لي التّعرف بالسّفن القاصدة بلادي. وقد تُتاح لي العودة على إحداها إلى وطني الحبيب. وكثيرًا ما كنتُ أسأل المسافرين والتّجار عن بلدي بغداد فلا أجد بينهم من يعرفها.

وكم كانت دُهشتي شديدةً ذات يومٍ عندما لمحتُ ربان السّفينة التي كنتُ مسافرًا عليها، وقد تقدّم مني لدفع الضّريبة عن بضائعه فعرفته فورًا، ولكنه لم يعرفني لأنّ هيئتي وملابسي تغيّرت كثيرًا خلال تلك المدّة الحافلة بالأحداث.

سألتُ الرّبان: هل بقي في مركبك شيء من البضائع؟

فأجاب: نعم يا سيدي، معي بضاعة في مستودع المركب، ولكن صاحبها غرق في البحر عند إحدى الجُزُر، فصارت بضاعته أمانةً لديّ، فقرّرت بيعها، وتسليم ثمنها إلى أهله في بغداد.

فسألته: وما إسم ذلك الرّجل الذي غرق في البحر؟

فأجاب: اسمه "السندباد البحري".

عندئذٍ لم أتمالك نفسي من الفرح والسّرور. فوقفتُ واحتضنتُ الرّبان وقبّلته وأنا أقول له: أُنظر إليّ جيدًا ألستُ أنا السّندباد !؟

لم يصدّق الرّجل عينيه. ولكنّه لم يكد يتأمّلني حتّى صاح يقول: نعم أنت هو السّندباد! فالحمد لله على السّلامة.

ثم نادى رفاقه التّجار فأقبلوا عليّ يقبّلونني وهُم في دهشةٍ وابتهاجٍ.

شعرتُ بالفخر والاعتزاز وأنا أتسلّم بضاعتي من هذا الرّبان الأمين، والرّفاق الأوفياء. ثم اخترت من بينها مجموعةً من الهدايا الثّمينة وقدّمتها للملك والأميرة والأمير، وأخبرتهم بما حصل، واستأذنتهم بالعودة إلى بلدي، فأذنوا لي، آسفين لفراقي.

ركبتُ السّفينة، وعدت إلى بغداد. فلقيتُ الأهل والأصدقاء والأحباب، وأخبرتهم بقصّتي العجيبة. فقاموا يهنّئونني بالسّلامة، ويحمدون الله على نجاتي من المهالك، ويتحدّثون بإعجابٍ عن بطولة السّندباد ووفاء ربّان السّفينة وأمانته.

 

*** الأنف العجيب

يحكى أن ثلاثة من الجنود المحبين للوطن، وأسماؤهم: فائز ونادر وغالب انتهوا من الحرب، فأرادوا الرجوع إلى بلادهم. فساروا في طريقهم مسافة طويلة، وأخذوا ينتقلون من قرية إلى أخرى، ومن بلد إلى بلد، وهم متألمون بسبب المعاملة السيئة التي عوملوا بها بعد القتال سنوات طويلة، والانتصار في محاربة العدو وطرده من البلاد. واضطروا إلى السير على الأقدام مسافات طويلة.

وصلوا غابة من الغابات، وقضوا ليلتهم فيها، وتناوبوا الحراسة خوفا من أن تهجم عليهم الحيوانات المفترسة.

نام فائز ونادر ليستريحا، وقام غالب يجمع بعض الخشب، وأوقد ناراً كبيرة ليدفئ نفسه تحت إحدى الأشجار، وجلس بجانب النار يحرس رفيقيه.

وبعد فترة قصيرة أقبل عليه قزم يلبس معطفاً أحمر وسأله وهو بعيد: من هناك تحت الشجرة؟

فأجابه غالب: صديق من الأصدقاء.
فسأله القزم: ومن هذا الصديق؟
فأجابه غالب: هو جندي خدم الوطن وهو الآن متقاعد، وهو الآن لا يجد مسكنا له، فلجأ إلى الغابة لينام فيها هو واثنان من أصدقائه الجنود. تعال واجلس معي لتدفئ نفسك من البرد.

فقال القزم: إني أتألم لك ولصديقيك، وسأعمل ما في استطاعتي لمساعدتك في هذه الحياة القاسية وأعطاه رداءً عجيباً وقال له: احتفظ بهذا الرداء، واحذر أن يضيع منك، لأنه ثمين جدا. وإذا لبسته في أي وقت من الأوقات، وتمنيت أي شيء، تحققت رغبتك في الحال.

فشكر له غالب معروفه، وودعه القزم، ثم ذهب إلى حاله.

وبعد قليل أتى دور فائز في الحراسة، فاستيقظ، ونام غالب مكانه. وبعد ساعة حضر القزم ثانية، فاستقبله فائز استقبالا حسنا، فأهدى إليه القزم كيسا عجيبا، مملوءاً نقوداً ذهبية، لا ينقص ما فيه مهما ينفق الإنسان منه. فكانت هديته ثمينة لا تقدر بمال.

وحينما أتى دور نادر في الحراسة، حضر القزم للمرة الثالثة، فقابله نادر مقابلة حسنة، فأهدى إليه القزم بوقاً موسيقياً عجيباً، إذا نفخ فيه مرة واحدة تجمع الناس حوله وتمتعوا بموسيقاه العذبة. وإذا نفخ ثلاث مرات حضرت فرق كبيرة من الجيش، مزوّدة بالأسلحة، مستعدة لتنفيذ أوامره. فشكر القزم.

في الصباح، حكى كل منهم حكايته مع القزم وعرض هديته الثمينة، وبيّن فوائدها. ففرحوا، وحمدوا الله على نعمه عليهم، واتفقوا أن يعيشوا معا ويشاركوا بعضهم في ثرواتهم العجيبة. واتفقوا على القيام برحلة حول العالم، فأخذوا ينتقلون من مدينة إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر، ويسافرون في البحر مرة، وفي العربات التي تجرها الجياد مرة أخرى. وعاشوا مثل الأغنياء من السائحين، ينتقلون شتاء إلى البلاد الدافئة، ويتفرجون على الآثار في كل بلد يزورونه.

ثم فكروا أن يستقروا في بيت كبير ويعيشوا حياة هادئة. فلبس غالب الرداء العجيب، وتمنى أن يكون له ولرفيقيه قصر جميل، فيه كل وسائل الراحة.

وفي الحال وجدوا أمام أعينهم قصراً عظيماً تحيط به حدائق غنّاء، وملاعب واسعة منظمة. وعلى بعد من القصر مراع وحظائر كثيرة، واصطبلات للخيل. ووقفت أمام القصر ثلاث عربات جميلة للرياضة والخروج للتمتع بالهواء الطلق.

لكنهم بعد فترة سئموا الحياة، لأنهم لم يزوروا أحدا ولم يزرهم أحد، ففكروا في زيارة الحاكم. فأرسلوا رسولا يخبره برغبتهم في زيارته، فرحب بهم، واستقبلهم استقبالا عظيما، وأكرمهم لأنه حسبهم من أبناء الملوك لمظاهر الأبهة التي تحيط بهم. ودامت زيارتهم عدة أيام.

كان فائز، صاحب الكيس العجيب، يسير مع الأميرة، وهي البنت الوحيدة للحاكم، فرأت في يده الكيس، فسألته عنه، فأجابها بحسن نية عن الكيس العجيب، وأن ما فيه من ذهب لا ينفد.

كانت الأميرة ساحرة ماكرة ذكية، وهي تعرف قيمة الكيس العجيب والرداء العجيب والبوق الغريب. وتمنت أن تحصل على هذه كلها. فعملت كيساً شبيهاً بالكيس السحري، دعت الأميرة فائزا لزيارتها في يوم من الأيام، وأوصت الخادم أن يقدم له فنجانا من الشاي، لدى حضوره، يضع فيه مادة منومة. ففعل، فشرب فائز الشاي، ونام في الحال، فأخذت الأميرة الكيس الثمين منه، ووضعت مكانه الكيس الذي صنعته.

في الصباح ترك الجنود القصر، وعادوا إلى بيتهم، واحتاجوا لشراء بعض الحاجات، فأخذوا ما في الكيس من نقود، لكنه لم يمتلئ ثانية كما كان يملأ، على غير عادته. فعرف الجنود في الحال أن الأميرة احتالت على فائز وانتزعت الكيس منه أثناء نومه. فحزن فائزاً حزناَ عميقاَ.

قال غريب: لا تحزن، لا يزال لدينا الرداء العجيب والبوق الغريب. ووضع الرداء السحري فوق كتفيه، وتمنى أن يكون في غرفة الأميرة في قصرها. ووجد نفسه في الحال في غرفتها، وهي وحدها تعد الجنيهات الذهبية. ولما رأته صارت تصرخ بأعلى صوتها: لصوص! أمسكوا بالسارق. فحضر الخدم يجرون من كل ناحية من القصر ودخلوا حجرتها، وحاولوا أن يقبضوا عليه، فخاف كثيرا، ونسي أن يلبس الرداء السحري، وجرى إلى النافذة وقفز منها، ولسوء الحظ علق الرداء بمسمار، فتركه وهرب قبل أن يقبضوا عليه. وفرحت الأميرة بالرداء فرحا شديداً. فقد فازت بالرداء العجيب من غير تعب.

عاد غالب إلى البيت ماشياً، يندب سوء حظه، وضياع ردائه! فقال له نادر: لا تحزن، لا يزال لدينا البوق!.

ونفخ فيه ثلاث مرات، فحضرت فرق من الجنود لا عدد لها، ومعها أسلحتها وذخائرها، لتنفيذ أوامر سيدهم نادر. وأخبر القائد بما حصل مع صديقيه وأن الأميرة خدعتهما وأخذت الكيس والرداء.

حاصر الجنود القصر في الحال، وأرسل القائد إلى الحاكم رسولا يأمره بتسليم الكيس والرداء اللذين عند بنته. وهدده بهدم القصر إذا لم ينفذ ما أمره به.

رفضت الأميرة تسليم الكيس والرداء لأحد. وحاولت أن تتخلص من المشكلة بحسن الحيلة والمكر. فلبست ملابس فتاة فقيرة، وأخذت سلة بها عقود وحلي لبيعها في معسكر العدو، وخرجت مع جاريتها. وأخذت تلف حول خيام الجيش، وتغني أغاني عذبة، فترك الجنود خيامهم، وجاؤوا مسرعين ليسمعوا غناءها. وجاء نادر صاحب البوق العجيب معهم، وكانت اتفقت مع جاريتها أن تذهب خفية إلى خيمته وتأخذ منها البوق السحري المعلق في الخيمة، وتذهب إلى القصر بسرعة، وتنفخ فيه ثلاث مرات، عندما تعطيها إشارة خاصة.

ذهبت الجارية ونفذت الخطة، فانصرف القائد والجنود وتركوا حصار القصر، ورجعت الأميرة منتصرةً، وصارت تملك الهدايا الثلاث العجيبة. وصار الجنود الثلاثة فقراء مفلسين، وافترقوا وودع بعضهم بعضا وسار غالب إلى الشرق, وسافر فائز ونادر معا إلى الشمال.

وصل غالب الغابة التي كان قد وجد فيها مع صديقيه الحظ السعيد، وكان متعبا فجلس يرتاح تحت شجرة، لكنه نام، وفي الصباح وجد الشجرة التي ينام تحتها مملوءة تفاحا ناضجا، جميل الشكل. وكان جائعا جدا، فقطف تفاحة وثانية وثالثة، وأكلها. وأحس إحساسا غريبا في أنفه، فلمسه بيده، فوجد أنفه قد كبر، وأخذ يكبر ويمتد حتى وصل إلى الأرض، واستمر ينمو، ويمتد على أرض الغابة حتى وصل إلى آخرها، وامتد في الطريق خارج الغابة.

كان رفيقاه فائز ونادر يمشيان في الطريق. فعثرت رجل فائز بشيء على الأرض، ولم يعرفا ما هو، وتتبعا أثره حتى يصلا إلى أوله، ووجداه أخيرا ينتهي عند صاحبهما المسكين غالب، النائم الحزين، تحت شجرة التفاح.

جلس الثلاثة وهم في حيرة من الأمر، ودعوا الله أن يخلصهم من هذا الموقف. وبعد قليل وجدوا صاحبهم القديم القزم ذا المعطف الأحمر مقبلا، وسلم عليهم، وسأل صاحب الأنف الطويل، وهو يضحك:

كيف حدث هذا؟ مع أنه يعرف السبب، ويعرف الدواء. وقال لهم: لا تقلقوا، سأدلكم على دواء يشفيه من مرضه في الحال.

ثم قال لصديقيه: أحضرا له بعض الكمثرى(الإجاصة)، من الشجرة القريبة من شجرة التفاح، فإن في الكمثرى علاجه وشفاءه.

جرى فائز ونادر، وقطفا مقداراً من الكمثرى، وأكل غالب منها، فبدأ طول أنفه ينقص بالتدريج، حتى رجع إلى حالته الطبيعية. فرح غالب وصديقاه كثيرا، وشكروا للقزم خدماته الكثيرة، وأخبروه بما فعلته الأميرة.

دلهم القزم على خطة يستطيعون بواسطتها أن يسترجعوا هداياهم القيمة. فقال غالب: خذ شيئا من هذا التفاح وهذه الكمثرى، وبعها التفاح أولا، فإذا أكلت تفاحة طال أنفها وكبر كما حصل لأنفك، فشكروه على فكرته.

لبس غالب كما يلبس البستانيون وأخذ معه سلة مملوءة بالتفاح العجيب، وذهب إلى قصر الحاكم، وعرض ما عنده من تفاح. وتمنى كل من رأى التفاح أن يذوقه. فقال لهم: إنه خاص بالأميرة. فأرسلت خادمها الذي اشترى التفاح كله، وغسله وقدمه للأميرة، فأخذت تفاحة فوجدتها لذيذة الطعم، فأكلت تفاحتين أخريين.

بعد ذلك بدأت تشعر بألم في أنفها، ووضعت يدها عليه، فوجدته يطول وينمو بسرعة، استغاثت بأبيها، فجاء الطبيب بسرعة، وطال أنفها حتى وصل الأرض. تعجب الطبيب وأعطاها دواء، فشربته ولم تجد له نتيجة.

أعلن الحاكم في جميع البلاد يستدعي الأطباء والجراحين لعلاج الأميرة. ووعد بإعطاء من يشفي الأميرة من مرضها العجيب جائزة ثمينة.

حضر الأطباء والجراحون، وجرّبوا كل ما عندهم من أدوية. لكن الأميرة لم تتحسن، وبقيت على هذه الحال أسبوعين. ثم جاء غالب وقد لبس ملابس طبيب، وحضر إلى القصر لعلاجها، وكان في حقيبته شيء من الكمثرى. وفحص الأميرة، وقال إنه يستطيع شفاءها، لكنها تحتاج إلى كثير من الزيارات.

وسألها عن سبب مرضها، فأخبرته أنها أكلت ثلاث تفاحات، فحدث لها ما حدث.

طلب إليها أن تريه التفاح، فقطع قطعة من إحدى التفاحات وأمرها بأكلها ليرى النتيجة في اليوم التالي. وفي الصباح وجد أنفها قد طال.

زاد قلق الأميرة، فأعطاها غالب قطعة صغيرة من الكمثرى لتأكلها، وزارها في اليوم التالي، ووجد أنها تتحسن وأنفها أخذ يقصر طوله. فقال لها: إن الدواء الذي أعطيتك إياه هو العلاج الوحيد لمرضك، ولا يعرفه أحد غيري، ثم أعطاها قطعة من التفاح.

ولما زارها في اليوم التالي، وجد أن أنفها قد طال، وحالتها ازدادت سوءاً. فقال لها: يبدو لي أنك قد أذنبت وأغضبت الله، ولن يتم العلاج إلا إذا طهرت نفسك من الذنوب، وأرضيت الله.

فأنكرت الأميرة بشدة أنها ارتكبت ذنبا، وقالت إنها لم تغضب الله. فقال لها غالب: أنت مذنبة، وستموتين بهذا المرض الخبيث إن لم تقولي الحق، وتعترفي بذنبك وتتوبي إلى ربك.

ثم أخبر الطبيب الحاكم بأن حالتها ساءت بعد أن تحسنت كثيراً، وأنها لن تشفى إلا إذا اعترفت بما فعلت، وتابت عن ذنبها. فنصحها أبوها أن تعترف بالحقيقة، حتى تشفى ويزول عنها الخطر.

فقالت الأميرة: لقد احتلت على بعض الجنود وأخذت منهم كيساً ثميناً، ورداءاً عجيباً، وبوقاً غريباً؟ هذه هي كل ذنوبي. فطلب أبوها أن تعيدها إلى أصحابها، وأن تسلمها إلى الطبيب ليرسلها إليهم، ويكمل علاجها.

طلبت الأميرة إلى الجارية أن تحضر هذه الأشياء الثلاثة، فأحضرتها، وقدمتها الأميرة إلى الطبيب، راجيةً أن يرجعها إلى أصحابها، ووصفتهم له. لما تسلم الهدايا الثمينة، لبس الرداء العجيب، وأعطاها حبة كمثرى كاملة، فأكلتها، وعاد أنفها إلى حالته الطبيعية، وشفيت من مرضها تماما، ولم ينتظر الطبيب شيئا من المكافأة.

وتمنى أن يكون مع صديقيه، وفي الحال وجد نفسه معهما. وعاش الأصدقاء الثلاثة معا عيشة سعيدة، كلها تعاون ومحبة وإخلاص.
 

 

*** الثوب المغامر

في واجهة محل يبيع الملابس، عرض ثوب من قماش رقيق وألوان زاهية. وقفت ليلى أمام الثوب وقالت لوالدها: أريد هذا الثوب للعيد، فاشتراه لها. ورجعت ليلى إلى البيت فرحة بثوبها الجديد. وضعت ليلى الثوب مع أثوابها الأخرى في خزانة الملابس، وقالت لنفسها: الثوب الجديد أجمل من الأثواب جميعا، سأرتديه صباح يوم العيد، وأكون أجمل بنت في الحي. نامت وهي تحلم بأنها تدور به، وتطير في الهواء.

أما الثوب الجديد، فقد كان يفكر في تلك الفتاة الأخرى التي وقفت أمامه قبل أن تشتريه ليلى. لقد تطلعت إليه تلك الفتاة طويلا، وبدا عليها أنها أحبته كثيراً، لكنها لم تكن تملك نقوداً لشرائه.

فكر الثوب في الفتاة الفقيرة، وأحس بحزن شديد من أجلها.

قال الثوب لنفسه: إن خزانة ليلى مملوءة بالملابس، أما الفتاة الأخرى فقد وقفت أمامي وهي تلبس ثوبا قديما، ولا شك في أنها لا تملك غيره. يجب أن أغادر هذا المكان، وأن أذهب إلى الفتاة الأخرى قبل أن يأتي العيد. لقد رأيتها واقفة أمام منزلها وحيدة حزينة عندما كانت ليلى تحملني إلى هنا.

انتظر الثوب حتى نامت ليلى وكل من في البيت، وخرج من الخزانة ليسير بحذر في الظلام، حتى وصل إلى بيت الفتاة الأخرى. هناك وجد الباب مفتوحا، فدخل بسرعة وأغلقه من خلفه.

كانت الفتاة نائمة عندما داعب الثوب وجهها بقماشه الحريري الرقيق.

استيقظت الفتاة سريعاَ وهي لا تصدق ما تراه. وحين لمست بيدها الثوب، قفزت من سريرها. احتضنته وقبلته وقالت: " الحمد لله! في صباح العيد سيكون عندي الثوب الجميل لأرتديه مثل باقي البنات".
في صباح العيد، خرجت الفتاة إلى الشارع سعيدة بثوبها الجديد, لعبت كثيرا مع صديقاتها ودارت بالثوب وكأنها تطير به في الهواء.

أما ليلى فقد بحثت عن الثوب، وعندما لم تجده قالت: " الحمد لله! عندي أثواب أخرى!". وارتدت للعيد ثوبا آخر.
وفي مساء العيد كان الثوب وحيداً يحدث نفسه: " لكن ماذا يفعل الأطفال الذين لا يملكون أثوابا جديدة للعيد، والذين لم يذهب إليهم في الليل ثوب مغامر مثلي؟".
 

 

 

*** الحمامة والنملة

عطشت حمامة مرة، فأتت إلى نهر ماء فشربت، وكان بقربها نملة وقعت في الماء وأشرفت على الهلاك، فلما رأت الحمامة استعانت بها. فرمت لها الحمامة قشّة في الماء فنجت من الموت؛ وإذا بصياد خرج على الحمامة، فوتر قوسه ليقتلها، فعضت النملة رِجل الصياد، فالتفت من الألم وتخلصّت الحمامة.

 

 

*** مـا قُـدّر يكـون


كان أحد الملوك يهتمّ بأمر رعيته بشكلٍ دائمٍ. وفي أحد الأيام خطر بباله أن يطوف في نواحي مملكته مُتكتّمًا، فيستطيع أن يطّلع على رأي أبناء رعيّته فيه، وعلى ما يحتاجون إليه، فيُلبّي مطالبهم من دون أن يعلموا أنّه عرفها منهم.

تخفّى الملك بملابس لا تدلّ عليه. وكذلك فعل وزيره. وخرجا يطوفان في المدينة وضواحيها، ويقعدان إلى التّجار والعمّال والفلاّحين ويتحدثان إليهم، ويسألانهم عن أحوالهم، وعن ملكهم، كأنّهما غريبان لا يعرفان شيئًا عن بلادهما.

وصلا إلى بيت فلاحٍ فقيرٍ، فجلسا يستريحان عنده، فقدّم لهما الفلاّح طعامًا، فأكلا وشَكَرا له ضيافته.

كان للفلاح طفلٌ صغيرٌ في مثل عُمر بنت الملك، رآه الملك بين ذراعيّ أمه. وكان الوزير مّمن يقرأون المُستقبل في الوجوه وتقاطيعها، فقرأ على جبهة الطفل أنّه سيكون، حين يكبر، صهر الملك. فأخبر الملك سرًا بذلك. فضحك الملك وقال له: " لن أدعه يتزوّج ابنتي، فهو سيشبّ فقيرًا حقيرًا، ولن يصلح أن يكون زوجًا لبنت ملك. وسأريك كيف أمنعُ هذا الزّواج".

نادى الملك الفلاّح وسأله إن كان إبنه هذا وحيدًا. فقال الفلاح: كلاّ! إن له أخوةً ثلاثةً. فقال له الملك: إنّ لا أولاد لي، وأريد أن أتبنّى ولدًا وأربّيه وأعلّمه وأورّثه ثروتي الكبيرة. هل تعطيني الطّفل ما دام عندك ثلاثة أولاد غيره؟

تردّد الفلاح وزوجته في بادئ الأمر، ولكنّهما فكّرا بمستقبل ابنهما في رعاية هذا الرّجل الغنيّ الذي سيُربّيه تربيةً حسنةً ويعلّمه، كما سيورثه ثروةً كبيرةً يمكنه معها أن يساعدهما ويساعد إخوته. فرضيا بما عرضه عليهما. وقدّم لهما الملك مبلغًا من المال ليُحسّنا أوضاعهما.
حمل الوزير الطفل وسار مع الملك حتّى وصلا إلى نهرٍ، فتناول الملك الطّفل من الوزير وقذفه في النّهر وقال للوزير: أرأيت كيف أكذّب المُقدَّر؟ فليتزوج بنتي بعد الآن! فقال الوزير: لن تستطيع يا ملك الزّمان أن تغيّر شيئًا ممّا قدّره الله. سوف ينجو هذا الطّفل ويتزوّج ابنتك. فضحك الملك ساخرًا من تفكير وزيره، ورجعا إلى القصر.

أمّا الطفل فحمله تيّار النّهر حتى قذف به في مجرى ماءٍ يدير حجر مطحنةٍ، فسدّ الطفل الفوهة، ونقص الماء عن الحجر، فوقف عن الدوران. فظنّ الطّحان أن صخرةً وقعت في المجرى فسدّت فوهته، فصعد إلى سطح المطحنة ليرى السبب، فوجد طفلاً ناشبًا بين قضبان الحديد الموضوعة على الفوهة، فانتشله، فرآه ما يزال حيّا، فعطف عليه، وحمله إلى زوجته وطلب منها أن تعتني به كما تعتني بأولادها، ففعلت.

ولمّا كبر الولد أرسله الطحّان مع أولاده إلى المدرسة، وشهد له أساتذته بالذّكاء والإجتهاد. وبعد بضع سنين أكمل علومه ونال شهادته. ففرح به الطحّان وأسرته، وأخذ يُفكّر في عملٍ يليق بمعارفه.

في إحدى الأيام خرج الملك ووزيره إلى الصيد، ومرّا بالأرض التي فيها المطحنة وجلسا يستريحان في ظلّ إحدى الأشجار، فذهب الطحّان ودعاهما للإستراحة عنده، فقبلا دعوته، وذهبا معه.

وفي بيت الطّحان رأى الوزير الولد الذي كان الملك قد ألقاه في النّهر، وكان قد صار شابًا، فعرفه وقال للملك هامسًا: هذا هو الولد الذي ألقيته في النهر، نجا وشبّ، وسوف يتزوج ابنتك!

قلق الملك، وسأل الطحان: أهذا الشّاب ولدك؟ فقال الطّحان: كلا! وأخبره كيف وجده في فوهة المطحنة فربّاه كأحد أولاده، وعلّمه، وهو اليوم يسعى ليجد عملاً يليق بمعارفه.

فقال له الملك: لا تشغل بالك بالأمر، سآخذه إلى بلاطي وأعيّنه في منصبٍ حسنٍ.

فدعا الطّحان للملك بطول العمر. وكتب الملك رسالةً إلى الملكة يقول فيها: حينما يصلُ الشّاب الذي يحمل هذه الرّسالة، مُرِي بقتله فورًا. ووقّع الرّسالة وختمها وسلّمها إلى الشّاب، وقال له أن يأخذها إلى الملكة، وهي تضعه في المنصب الذي يليق به.

حمل الشّاب الرسالة وذهب إلى قصر الملك. ولمّا وصل شعر بالتّعب وقد أجهده الحر، فاستراح قليلاً في ظلّ جدران القصر العالية. وشعر ببرودةٍ لذيذةٍ، فنعس وتمدّد على الأرض فأغفى، وكانت نومته تحت نافذة بنت الملك.

وصادف أن أطلّت بنت الملك من نافذتها فرأت شابًا نائمًا تحتها، فأعجبها شبابه، فانحدرت إليه لترى ما شأنه، فوجدته مغفيًا وفي يده رسالة، فأخذتها من يده من دون أن يشعر، وفتحتها وقرأتها، فاستاءت من أبيها، وحنّت على الشاب، وشعرت بحبٍ له، فمزّقت الرسالة، وأسرعت إلى غرفتها، فكتبت رسالة غيرها قالت فيها لأمها عن أبيها: حينما يصل هذا الشّاب إليك زوّجيه حالاً بابنتنا ولا تراجعيه. وقلّدت إمضاء أبيها وختمت الرّسالة ووضعتها قرب يد الشّاب وعادت إلى غرفتها.

لم يلبث الشاب أن استيقظ، ففرك عينيه ونهض، وقرع باب القصر، ففتح له خادم. فأخبره أنّه يحمل رسالةً من الملك إلى الملكة. ولمّا قرأتها تعجّبت من عجلة الملك في تزويج بنتها بشابٍ لا تعرفه. ولكنّها لمّا نظرت إليه أعجبها شبابه، وكلّمته فأعجبها لطف كلامه، فنادت ابنتها وسألتها: هل تريدينه زوجًا؟ فأجابت بالإيجاب، فزوّجته إيّاها.

بعد يومين عاد الملك من الصّيد، وما إن دخل القصر حتى رأى الشاب الذي أمر بقتله يتنزّه مع ابنته في بستان القصر، فذهل وسأل أحد الخدم: مَن هذا الشّاب؟ فأجابه: إنّه زوج ابنتك الأميرة.

فغضب الملك ودخل يسأل الملكة كيف زوّجته ابنتهما مع أنه أمرها في رسالته أن تقتله. فناولته الرّسالة التي وصلت إليها، وقرأها، فتعجّب لتغيّر ما كان قد كتبه في رسالته، ونظر إلى التّوقيع فرأى أنّه توقيعه. فالتفت إلى الوزير مذهولاً. فقال له الوزير: "أما قلت لك يا ملك الزمان أنّ ما قُدّر لا بُدّ من أن يكون".

فأذعن الملك للأمر الواقع وجعل الشاب في منصبٍ سامٍ يليق بصهر الملك

 

 

*** الشاب المقطوع اليد

كان في قديم الزمان تاجر يتردد في تجارته على إحدى المدن، ويبيت في أحد الفنادق. ولما كان حديثه ممتعا، كان يجتمع حوله نزلاء الفندق وعماله، فيروي لهم من حكاياته الجميلة. وفي إحدى الليالي حكى لهم قصة غريبة حصلت معه. قال: أنا ابن تاجر مصري، ولما أصبحت شابا تسلمت العمل مكانه. ذات يوم جاءني شاب أنيق الثياب ومعه قليل من السمسم، عرضه عليّ لأشتري منه، واتفقنا على السعر، واشتريت كل ما عنده بخمسة آلاف درهم. ولكنه لم يقبض الثمن، وغاب وعاد بعد شهر. فدعوته لتناول الغداء، فاعتذر لي ولم يأخذ الدراهم، وكرر هذا ثلاث مرات، وفي المرة الرابعة غاب سنة، ولما دعوته قبل دعوتي لتناول الطعام في بيتي